
أشد جرأة من «بنات الرياض» ...
«الآخرون» رواية لكاتبة سعودية شابة «مجهولة»
عبده وازن الحياة - 12/07/06//
قد تكون رواية «الآخرون» للكاتبة السعودية الشابة «صبا الحرز» من أجرأ الروايات الصادرة خلال الآونة الأخيرة، ليس في السعودية فحسب وإنما في العالم العربي. وعرفت صاحبتها كيف تستفيد من تجربة رجاء الصانع في روايتها «بنات الرياض» لتمضي في لعبة السرد الفضائحي وتلج عالماً سرّياً وشبه مجهول. وصبا الحرز اسم مستعار وقناع لروائية في العشرين من عمرها، كما أفادت دار الساقي، ناشرة الرواية.
لكن قراءة الرواية موضوعياً وأدبياً تؤكد أن صاحبتها «المجهولة» والموهوبة جداً روائياً، لم تهدف الى إحداث فضيحة مجانية وضجة إعلامية، مقدار ما حاولت تصوير واقع خفي. فالبطلة التي «تتنكب» فعل السرد أو القصّ والتي يمكن وصفها بـ «الراوية» أو «الساردة» التي تتحكم بالأحداث والوقائع والشخصيات، تنطلق من تجربتها الذاتية، هي المصابة بمرض «الصرع» أو «النقطة»، والتي تعرضت لـ «إغتصاب» مثلي على يد صديقتها ضيّ. لكن «الفريسة» أو الضحية تعجز عن التكيّف مع واقعها الجديد على رغم مضيها في اللعبة واستسلامها لها. فهي تظل في حال من الاضطراب والخوف والقلق، تبكي وتندم وتصف نفسها بالمسخ: «كنت بنتاً فصرت مسخاً». وتشعر أحياناً بقذارتها التي لا يغسلها الماء والصابون، كما تعبّر.
تنطلق وقائع الرواية لئلا أقول أحداثها، من احدى بيئات القطيف في السعودية وتتوزّع بين كلية البنات و»الحسينية» والمنازل والمزرعة. الشخصيات الرئيسة فتيات بل طالبات في مقتبل العشرين وأكثر قليلاً، حياتهن في غرفهن المنزلية تختلف عن حياتهن المعلنة أو العائلية والجامعية.
تنتمي رواية «الآخرون» الى ما يُسمى بـ «الأدب الملعون» الذي تسوده أحوال الاضطراب النفسي والعلاقات السادو – مازوكية والملامح المأسوية الكامنة خلف المظاهر الخادعة التي تدرك الفتيات حقيقتها المشوّهة. لكن الكاتبة لا تتخلى لحظة عن الفن الروائي ومعطياته وأبعاده، ما يؤكد أن المؤلفة المجهولة صاحبة موهبة كبيرة وثقافة عميقة. فهي، كراوية، تدخل الى أعماق الشخصيات وتحفر في لاوعيها الذاتي والجماعي، وترسم العلاقات بذكاء. وتلم الكاتبة بثقافة «الانترنت» والثقافة الحديثة، السينمائية والموسيقية والأدبية، لكنها تظل شخصية سلبية، أقرب الى النموذج «الوجودي»، تشعر بالغثيان والقرف – مثل شخصيات سارتر – وتحلم بتغيير العالم وتدرك عجزها عن تغييره. وعندما تجد نفسها وحيدة، تحاول تأنيب نفسها، ليس لانجرارها في حياة مريضة وفاسدة فقط، بل تعذيباً للنفس وانتقاماً للبراءة التي ولّت من غير رجعة.
إنها رواية مأسوية، لا تعرف السخرية إلا قليلاً، وترسم معالم حياة سوداء تقوم على هامش الحياة نفسها. وإن بدا حضور الرجل طفيفاً فيها ومقتصراً على اسمين فإن حسن، شقيق الراوية، يحضر بشدة عبر غيابه، فطيفه لا يغادر مخيلة الشقيقة المريضة ولا ذاكرتها، على رغم مضيّ سنوات على موته.
رواية «الآخرون» ستكون مثار جدل وسجال في الصحافة والمنتديات واللقاءات، وستُسيل حبراً أكثر مما أسالت رواية «بنات الرياض»، تبعاً لجرأتها أولاً ثم لمقاربتها العميقة لمشكلة هي من أشد المشكلات العربية التباساً وتعقداً.
|
رواية الآخرون- تستحق القراءة بدون تأكيد من سيادة الوزير
المؤلفة صبا الحرز لـ الشرق الاوسط: الكتابة على الإنترنت جعلتني لا أهجس بالتابوهات أو يؤرقني اختراقها
الدمام : ميرزا الخويلدي
من المتوقع، أن تثير الرواية الجديدة التي ستصدر الشهر المقبل، تحت عنوان «الآخرون» باسم كاتبة سعودية شابة، هي صبا الحرز، ضجة في الأوساط الأدبية والاجتماعية ـ تقترب من تلك التي أحدثتها رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع. كما ينتظر أن تثير الرواية جدلاً حاداً حين تتلاقفها الأيدي، فهي تتسم بجرأة زائدة عن الحد في تحشيد المزاوجة بين الموروثات والانحرافات. والرواية من مشهدها الأول حتى الأخير، عبارة عن مشاهد لحالات من علاقات شاذة كانت الجامع المشترك لجميع الأسماء التي وردت داخلها، وتوظيف متعسف لقيم البيئة والتراث، ومحاولة فجة لاقتحام صارخ لتابو المحرمات. تجتاح الرواية فوضى عارمة، وبدون وعي يجرى توظيف العنصر الجنسي، بجرأة مفتعلة يحولها الى حفلة للنزوات. وسيتعين على الأسماء التي مهرت نفسها فوق غلاف الرواية، صراحة أو خفية وتنكراً، أن تجيب عن نوبات الاحتجاج التي من المنتظر أن تصاحب هذا العمل الأدبي. الرواية من اصدارات «دار الساقي»، وتأتي في ظل تزايد الروايات النسائية السعودية، وما يستثيره بعضها من تحريك للمياه الراكدة، وتحويل السرد إلى متنفس للعديد من الفتيات، بعيداً عن سطوة الرجل. تعرّف صبا الحرز بنفسها، على انها كاتبة سعودية شابة، ولدت في القطيف عام 1980، ودأبت على الكتابة في الإنترنت منذ عام 2001، ولكنها اقتحمت عالم الروايات الأدبية، فكانت «الآخرون» عملها الأول، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: لستُ معنية أبداً بهاجس كتابة رواية، أردتُ فقط أن أجرب نوعاً كتابياً، أختبر فيه نفسي، صابت، ام خابت. تقييم ذلك يعد امراً تالياً للمحاولة، لا أتوقف عندها كثيراً. وتضيف: كتبتُ الرواية بنيّة أن تكون خاصّة، من دون الانشغال بنشرها... لفرط ما سمعتُ عن صعوبات النشر وتكاليفه. لاحقاً، باعتباري فردا افتراضيا على أيّة حال كنتُ قد قررت نشرها إلكترونياً. وأخيراً، عبر سعي صديق أوصلها إلى «دار الساقي» تكفلت الدار بنشرها. > «الآخرون» هل هي تعبير عن غربة داخل المحيط، أم هي خيار انعزالي لتمييز الذات؟ ـ الآخرون حالة، حالة طويلة من الاستجابة للأذى والعزلة كخيار وحيد والصراخ في الجدران، لتكون أقل سماكة وأكثر شفافيّة لنكون مرئيين على الجانب الآخر منها، وأن يعبر لنا أشخاص من الخارج طالما أننا لا نملك هذه القدرة على الخروج، أشخاص لن نتجادل مطولاً بشأن أحقيتهم بالثقة، ولن نعاود رفع الجدران تحرزاً لذهابهم. >هذه الرواية السعودية الثانية في أقل من عام التي تلتهب بالصراع الاجتماعي، حيث أصبحت قضية المرأة «ثيمة» أصيلة للعديد من الروايات التي تكتبها الأنثى، هل يعد ذلك جزءا من النضال للتحرر، أم تنفيس لاحتقان روحي ونفسي عبر الكتابة؟ ـ أعتقد أننا أفرطنا في توصيف الروايات بكونها تدور حول قضايا المرأة، للحدّ الذي صار توصيفاً صالحاً لأيّ رواية مكتوبة من قبل امرأة، تدور أحداثها حول مجموعة نسوة. الرواية تناولت العديد من المواضيع: الاستغلال، العنف، الحياة المزدوجة، الحبّ في حالاته الأقرب للمرضيّة والأخرى غير المقبولة، الخوف، الضغط الاجتماعي لتشكيل صورة مثاليّة ومتشابهة لأفراده، فقد الذات... إلخ؛ وهذه جميعها ليست حكراً على المرأة دون الرجل. لا تحكي الرواية عن نساء بكّاءات ورجال ظالمين، حتّى إنه بالكاد يوجد رجل فاعل ومتحرك بشكل رئيسي في الرواية. هناك منطقة واسعة وخصبة من الإنسانية لنقف عليها جميعاً، ولا أفهم سبباً يدعونا للتحيز في منطقتين متقابلتين. > باعتبار أن روايتك تدور داخل بيئة المجتمع القطيفي الذي ترعرعت فيه، إلى أي حد استفدت من الثقافة المحلية في انضاج الأحداث الداخلية للرواية؟ ـ بالقدر الذي كانت فيه القطيف حاضرة ضمن الرواية؛ بالقدر نفسه كانت مغبشة وغير حقيقية. كان خياري: توسيع حالة الرواية وأن تكون قابلة للتطابق مع أماكن أخرى؛ تأكيداً على أن المنطق البشريّ والاجتماعي وإفرازاته تتشابه. أنا ابنة هذا المكان، عشتُ حياتي كلّها هُنا، من الطبيعي إذاً أن تحضر الثقافة التي كوّنتني في أعمالي؛ لكن أيضاً، أنا كاتبة «نِتّيّة»، والإنترنت اشتغل بشكل ملموس على تذويب بعض خواصنا المحليّة، وجعلنا أبناء للفضاء نفسه، تلاشى فينا لحدّ ما هذا الحسّ الطاغي بحضور المكان. > كيف تفسرين الجرأة في تناول انشغالات فتاة مراهقة تعيش في بيئة محافظة، تتعرض للاستغلال من معلمتها؟ ـ الجرأة مطلب كتابيّ؛ أيّاً كان ما تريد كتابته يجب أن تكون حقيقيّاً وصادقاً. بالنسبة لبلقيس فهي لم تكن معلمة مُجازة في سلك التدريس، بل طالبة جامعيّة تزيد من معدل دخلها بالتعليم اليوميّ. والتعليم في ذاته مجرد وظيفة، لا مرادفاً لقيم الفضيلة والشرف. خياري كان فقط لتأطير العلاقة بشكل اجتماعي مقبول، يبرر إغلاق الأبواب واللقاء اليوميّ بالساعات من دون مساءلة، كما أنه تأكيد على حقيقة الإحصائيات التي تقول إن أكبر عدد من الأطفال الذين يتم استغلالهم يتعرضون لذلك على أيدي أشخاص مقربين ومحل ثقة. > هل تعمدت الإثارة؟ ـ أعتقد أن الإجابة عن مثل هذا السؤال بلا أو نعم، لن تفضي لنتيجة ما. هو حقّ القارئ، كلّ قارئ، أن ينتهي إلى إجابته الخاصّة. > أين هو موقع «عمر» في الرواية؟ لقد دخل الرواية وخرج من دون أن يؤثر وجوده في منظومة الأحداث التي تدور داخلها وتؤثر على شخصيات الرواية؟ ألا ترين أن «عمر» ليس شاباً عادياً يعشق ويمشي.. إنه عنوان لتكسير ايقونات النسق النمطية (التي تحبس الناس داخل تابوهات)؟ ـ ليس كل اختلاف بالضرورة موقف؛ ولا كلّ اختلاف قادر على الفعل. غالباً ما نكون متوحدين في اختلافنا ولا فاعلين، ولا يكون اختلافنا متعمداً أو مقصوداً. لا يوجد في الرواية تاريخ، أيّ تاريخ، عن عمر يُحدد لماذا هو هكذا أو كيف؟ ربما لم تؤثر فيه الأنماط المُعتادة التي أثرت في الجميع، وبالتالي هو لا يجد في الخروج عليها أيّ شيء مهم أو لافت. ولا تنسَ الشخصية الرئيسة أيضاً باعتبارها مِثل «عمر» متصالحة مع كونه آخر مختلفاً؛ إلا إذا شئنا نفي حقيقة انه حتّى منّا نحن الذين عرضة لعدم القبول ثمّة من يعانون من تعصب شبيه إزاء الآخر. > ألا تخشين، وبسبب كونك روائية جديدة في المشهد الثقافي المحلي أن يأتي من يقول إنك مجرد واجهة لرجل يتخفى وراءك؟ ـ أحيلك لإجابتي عن سؤال المنع. ما سيُقال سيُقال؛ فلماذا أخشاه؟ ومهما قيل، لو قيل: أنا أعرفُ الحقيقة، وهذا كافٍ تماماً. > ألا ترين أن الرواية تؤسس لعالم طوباوي يتعامل مع حالات الفرز الاجتماعي بصورة رومانسية؟ ـ «الآخرون» تقوم على تقصّي الأثر، لا على تحليل المؤثر؛ الأثر باعتباره مجموعة من الانفعالات والعواطف وردود الفعل، التي قد لا تتساوى بالضرورة مع قوة المؤثر وقسوته. ثمّ إنّ الشخصية الرئيسة في الرواية والتي يُقال كلّ شيء بلسانها ومنطقها هي بنت في أول العشرينات، بدايات ما قبل اكتمال النضج وآخر تشبث بالعالم الطفولي حيث كل شيء يجب أن يكون في أحسن حالاته وعلى خير ما يرام. هي أيضاً وأغلب شخوص الرواية تقريباً من جيل 1980، الجيل الذي عاش كل نتاج أحداث تلك المرحلة والتغييرات العجولة اللاحقة من دون أن يمتلك معرفة كافية تتيح له فهم ما يختبره. > كيف كتبت الرواية، متى، وما الذي دفعك، وكيف تبلورت الفكرة، ومن كان له الفضل في تشجيعك؟ ـ تشكلت فكرة الرواية بدايات عام 2004. بالطبع، كنتُ أستصعب الخوض في كتابة طويلة وشاقة، أنا طارئة المزاج؛ تضافر الأمر مع صعوبة بعض مواضيع الرواية وحساسيتها، وهذا تحد آخر. قرأتُ الكثير، سمعت الكثير أيضاً.. في محاولة لخلق أكبر قدر من الفهم. وحين اكتملت الرغبة، كتبت نواة الرواية بشكل مختصر، وشرعتُ بوضع مخطط أوليّ: الشخوص، الفترة الزمنية، التفاصيل العامة، تقسيمها، الحيز المُتاح لكلّ شخصية... أمور كهذه. حشدتُ أكبر قدر من التفاصيل والخيوط الصغيرة المتشابكة وبدأت الكتابة في حالة كتمان، ليس لشيء غير أن الحديث عما أكتبه أو أنوي كتابته يفسد دائماً مشاريعي. > بمن تأثرتِ في الرواية؟ ـ لا يمكنني الإشارة إلى جهة محددة، هي حصيلة واسعة جداً تخرج حتى عن أغلفة الكتب إلى مجموع الأشخاص والمواقف والظروف التي اختبرتها أو لمستها من بعيد. في الجانب الكتابي: هو كل ما قرأته وحتى ما قرأتُ عنه، مذوبٌ في بعضه ومتداخل بطريقة يصعب معها تعيين الواضح من أثره. > انفتاحك على تكوينات المشهد الثقافي المحليّ؟ ـ للحقّ، أنا لا أستوعب تعبيرات كهذه، ولا أعرف ما الداخل فيها وما الخارج عنها، لأتحدث عن انفتاحي عليها من عدمه. لا تديرني الأسماء ولا ألتفتُ مطولاً لأيّ ضجيج، لا أعرف شيئاً عن الأندية الأدبيّة ولا أتتبع ملاحق الثقافة في الصحف، ليست لي دراية بمقومات التواجد في هذا المشهد ولا مقولاته ولا دوائره اتسعت أم ضاقت. ربما هو خيار أن أكتفي بالبقاء خارج كلّ شيء، الفُرجة ليست بالأمر السيئ وإنما مسافة للرؤية. انتهى. .................................................. ......... بإمكانكم ألّا تقرؤوا رواية [الآخرون] ويإمكانكم العكس. فقط إن أردتم قراءة تجربة سعودية مختلفة [أعني الاختلاف فكرة + جرءة+ أسلوب] بإمكان أحدنا أن يتنبأ بما ستكتبه شابة جريئة من [القطيف] بين دفتي كتاب بعنوان [الآخرون] الرواية صدمة جديدة. ولكن صدمة باستحقاق وجدارة. هذه اقتباسات من [الآخرون]. نسختها بشكل عشوائي ومن صفحات متفرقة:
[لو أننا نولد ويجيء معنا دليل مصور. نفتحه فنقرأ فيه: كيف يمكن تشغيلنا؟ وإطفائنا؟ وإعادة شحننا؟ ومسح الغبرة من علينا؟ وطرق تحسين آدائنا؟ وأساليب حفظنا الأفضل؟ لو أن ذلك شيء ممكن لأمسكت الآن بدليل تشغيلي وقارنته بدليل تشغيل ضي. وفهمتُ الثغرة التي ملأتها فيّ لتفتح تماماً دارة الخوف. بحيث أوقفت الطنين المزعج الذي كان ينحفر في أذني حالما أصافح أحد. فينبه قلقي إلى أني في وضع غير آمن. ويدفع بي للانسحاب. للانسحاب بعيداً مقرفصة داخل قلبي. ومغلقة أبوابي علي. ما الذي فعلته ضي. وكان إعجازياً واستثنائياً بحيث أركنُ لها وأخمد شارة المسّ في دمي ومحفزات الفزع؟] [في الخريف التالي, ونحن لسنا أصدقاء بعد, كنتُ سأفهم ماذا عنيت في كل مرة قلتُ له فيها, مُقتبِسة من مكان أجهله: "أن تحبّ شيء, وأن تقع في الحبّ شيء آخر". ورغم يقيني بأنه يجدر بي المجيء بشيء من أرشيف طلال مداح وحنين صوته أو عبادي وحزن ريشته, كما يهجس بهما ريان, إلا أني كنتُ سأرسل له صوت فيروز. صوت فيروز الذي لا يعرف اللهجة النجدية وأخلاطها. ولا الشعر النبطي. ولا مواسم الصيد. ولا بيت الشَّعَر. ولا مدارس تحفيظ القرآن. ولا الهلال. ولا الاستراحات. ولا العليا ولا زحام شوارع الرياض وضيق أخلاقها. مثلما أني لا أعرف من ذلك شيئاً. أرسلت له فيروز تُغني: "بتذكرك كل ما تجي لتغيم.. وجك بيذكر بالخريف.. ترجع لي كل ما الدني بدى تعتم.. متل الهوا الي مبلش ع الخفيف..." تحت سؤال يشبه صوته المجروح ووجهه المشطوف من الملامح: "بعدو أليف ريان؟", وختمتها بـ: "بنت شيعية وتحبّك يا جار!".] [جسدي يؤلمني. الألم الذي لا تواربه أقراص البندول. ولا يقصيه التجاهل. الألم الذي يُشبه الثقل. وكأني أتقدم بصعوبة في أرض من وحلٍ وكائنات لزجة خضراء. يدفعني للتخلي عن فكرة الحياة بأكملها. ألم خادع ومُركّب. رأسي كلّه ثقب رصاصة تأز على حوافها الأصوات وتلغ الريح. الألم الذي يرمح في رأسي كخيول بريّة وهنود حمر يؤدون طقوس موتاهم. الألم الذي حين يكون هنا فليس ثمّة سواه. وحين يمضي يبتلع مع جَزره صَدَفاتي الصغيرات ومراكب البحارة وأسماكهم وشباك صيدهم.] [أنا كذلك كنتُ أبكي. أو بالأصح فإني أتركُ لجسدي أن يبكي. أن يُفسح مكاناً لأحزانه الآسنة. ونجلس كلانا على الدَرَج ونبكي. كثير هو الكلام الذي نطق به جسدي وهي تلمسه, لم يكن بعد يجنّ من الشهوة. ولا يتورع عن الذنب, كان بعيداً جداً. حيثُ لا يوجد إلا ذاكرته المتسخة. وحبل غسيله المنقطع. وسماء رديئة تجهض غيومها مبكراً فلا تقطر ما يكفي من المطر ليغتسل. كان جسدي يبكي, فيما تتناسل أحزانه, كل منها ترد على الماء وتشرب, وحدته, خوفه, ريبته. وكان يصرخ بالكلمات التامات, وتضيع أحرفه في فمه ودموعه فلا أفهم. وكنتُ أخشى أن أربت على كتفه فيكفّ عن البكاء. لا أريد له أن يكفّ قبل أن تنضب أحزانه. لا أريده أن يتعزى بالكلام الرخيص, والأعذار الرخيصة, والعبورات الرخيصة, أريدُ له أن يشفى.]
| ||||



















19 اغسطس, 2006 12:07 م