أي أحلام! إذا أردت وصفها بشكل تقريبي، أستطيع أن أقول بأنه كان يحلم بعالم ما، عالم لا يوجد فيه سوى رجال لطفاء وكرماء، لباسهم مميز، ويحبون المرأة حباً حقيقياً، طاردين وبظهر يدهم كل اختلافات الأصل، واللغة، والمعتقدات، ويعشقون كالأطفال فن التصوير الضوئي، والملاحة الجوية، وجهاز الراديو، وفن التصوير السينمائي.
قد تقهقه من كثرة الضحك أو تضحك ضحكاً خجولاً، لأن هذا العالم الذي كان يحلم به والدي، كان في القرن العشرين، والذي هو استمرار للقرن التاسع عشر، القرن الأكثر نبالة، حلمت به ايضاً. وإذا كنت ما أزال احتفظ بشجاعة الحلم، سأحلم به ايضاً، وهنا تشابه كأب وأبن، إذا سامحتني على هذه التفاهة!!
هذا ماقاله "أوسيان" بطل سلالم الشرق، في رواية أمين معلوف. لقد تحدث عن حلم والده، ولا اعرف مساء اليوم، وأنا أتكلم معك خارج الصف، تذكرت أنني لابد أن يكون والد أوسيان، قد أحتل جزءاً من مشاعري العميقة تجاهه، هل كلانا يحلم بعالم أكثر نبالة!! لو سألتني الآن، في هذه اللحظة التي أغير فيها بعضاً من قناعاتي الخاصة، وازيح ماتبقى من الدموع التي خرجت هذا المساء، من الساعة السادسة وحتى الثامنة، أي من أبطال الروايات تحملي له حزناً شفيفاً، لقلت لك دون تردد، أوسيان المسكين!! كم تمنيت أن اختار له حياة أخرى، أي حياة عاشها هذا المخلوق، وهو أحد أولئك الرجال ذو الأقدار المتعرجة، لاتزن حياته أكثر من القليل من القش ضمن زوبعة، طفولة أميرية، جّده مختلة عقلياً، والد ثوري يشبه تماماً والدي، له نزوات كطفل أمير، ولكنه لم يكن ابداً متذمراً أو عصبياً أو ماكراً، وعندما كان يضطر لأن يكره أحداً يتألم كثيراً، يموت للأسف في منتصف الرواية. أخ ساقط وفاشل، وإقامة في فرنسا تحت الاحتلال، ثم لقائه مع حبيبته اليهودية كلارا، يعيش معها لحظات مليئة بالحميمية والبطولة الزائفة، ثم يسقط في الجحيم، تسألني صديقتي أي حياة ستختارينها لأوسيان، فأقول لها بلا تردد، أن لا يخلق، أو يخلق كأي تركي عثماني، بلا بطولة وبلا أسم أميري ، تماماً كما تمنيت أن يعود الأخ الأصغر "عبد القادر" للروائي المغربي، محمد شكري إلى الحياة، في سيرته الذاتية "الخبز الحافي" كنت أقول لو عاد إلى الحياة، فلن يبقى لشكري أي مبرر، لكل هذه الكراهية الشديدة التي يحملها لوالده، ولكن لولا كل هذا العذاب وكل هذا الجنون وكل هذا الفقر والجوع، الذي حفل به شكري، لم يكن ليخرج لنا بإبداعاته الروائية، ولبقى رجلاً مغربياً عادياً، فقيراً ومجنوناً، كما تصور هو نفسه ذلك.
أتعرف إنني بكيته قبل عامين حينما رحل، مريضاً بسرطان البروستاتا، شكري له فضل كبير في تغير شخصيتي، قرأت روايته "الخبز الحافي" بلندن، حيث أمضيت بها وقتاً من تاريخ حياتي، كنت في الرابعة عشر من عمري، وعليك أن تتخيل رواية بهذا الأنفتاح الواسع، تقرأها مراهقة صغيرة، مالذي يمكن أن يحدث لها، لو ضبطت من قبل سلطة العائلة، مالذي يمكن أن يقال لها، كنت أقرأها في الحمام، واحياناً داخل دولاب ملابسي، ومرات كثيرة تحت سريري، وكنت أوهم أختي أنني العب معها لعبة الغميمة، حتى تتركني بعد أن تمل من لعبتي، لا أعرف لماذا لدينا رغبة قوية وعنيفة منذ طفولتنا، بأن نختفي ولو لدقائق عن أنظار العالم، هل هو الحنين لرحم الأم، هل هو الشعور الغامض لعالمنا الأول الذي جئنا منه، أم هي رغبة في فهم الآخرين أين يتوقعون أن يكون ملاذنا الآخر، خلف الباب، في أدراج المطبخ، داخل مغسلة الملابس، خلف شجرة البيت، وراء ستارة الصالة. لم أجد حتى الآن طفلة لم تحب أن تلعب لعبة الغميمة، حينما كبرت بضع سنوات، أصبحت أكرهها، أخافها، لا أطيقها، لا أتخيل شكلي وأنا أخبأ نفسي، كي لا أضبط، لا أحب شعور الخفاء، لا أحب أن أرتقب وأن أصيخ السمع لصوت الأقدام وهي تتسحب تبحث عني، أكره الشعور بالخوف، حتى في علاقاتي العاطفية، لا أحب أن أعيش دوراً لايليق بي، مثل ليلة القبض على فاطمة، وفاطمة كانت تخبأ البارود والقنابل داخل جسدها، أما نحن فكن نخبأ الحب المستورد في قلوبنا، وفي تفاصيل أجسادنا، تسريحة جديدة، أغنية نهيم بها، حروف مختلفة نعلقها كسلسلة حول رقبتنا، حتى نصطاد بسهولة بأننا واقعات تحت سكر الحب، لا أحب أن انتظر أن يحنّ عليّ الحبيب، بإشارة، بهمسة أو حتى بقصيدة ينقلها من أحدى دواوين الشعر، ليقرأها عليّ، وأنا أتمطى بيدّي أو أخرس تثاوبي المتكرر على سماعة الهاتف، أحب أن اكون المرأة القوية، المرأة التي تعرف ماذا تريد؟ وماذا تشتهي؟ وأين سيكون مرفأها؟ لا تلك المرأة التي يضحك عليها الرجال، أحببت كثيراً زوجة الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل، كنت أقرأ كتاب "السجينة" لمليكة بنت أوفقير، وأستوقفتني شجاعة الملكة "لطيفة" قبل أن يختارها الملك لتكون زوجته، قالت له: - سيدي، أنا لا أرضى أبداً بأن أكون محظية بسيطة في حريمك، وأضافت بأنها تفضل في حال عدم تهيئة الفرصة لها لتكون أم أولاده، أن تعود إلى أهلها. أعجب هذا الحزم الملك، الذي يفضله على أجمل نساء العالم تلك التي تظهر العزيمة، وكانت الملكة لطيفة تملك فائضاً منها.
ويجئ بطلاً آخر هو غرنوي، هل تعرفه!! هل سبق وأن تعرفت عليه، هو بطل رواية "العطر"، للروائي الفرنسي باتريك زوسكيند، كم تمنيت له أن يعيش حياته كأي طفل، وكأي رجل في فرنسا، كانت والدة غرنوي عندما جاءها المخاض، تقف أمام عربة سمك في "شارع أوفير" ، قبعت تحت طاولة تنظيف السمك ووضعت مولودها هناك، كما فعلت في المرات السابقة، مستخدمة سكين السمك في قطع حبل السره، لكن ماحدث بعدئذ بسبب الحر والرائحة، أنها فقدت وعيها، وتتوالى القصة، حتى تصل الأم العشرينية إلى مقصلة الإعدام، ويرسل غرنوي إلى إحدى دور الأيتام، ولو سألتني الآن مالذي كنت أتمناه للبطل غرنوي لقلت لك بكل إحساس المرأة بداخلي، أن تعود هذه الصبية التي أعدمت إلى الحياة، لتعيش طويلاً، أطول مما تخيله الراوي، وأن تتزوج مرة وتنجب أطفالاً حقيقيين، كامرأة محترمة لحرفي مترمل، وما شابه ذلك، كما كانت بالضبط هي تشتهي، ليعيش غرنوي، كما عاش الصبيان من اقرانه، هل تعرف معنى أن تعيش بكل تفاصيلك الخاصة، بكل القصص والروايات العظيمة، لماذا يخرج الأبطال معي دائماً، في قلبي، وفي أصابع كفي، وفي شعري، واحياناً تحت وسادتي!!! كل الأبطال يخرجون من الورق، ليبدأو عالمهم الجديد معي. إنني اخترع لهم أرضاً مختلفة، ووطن مختلف، وربما ايضاً مقبرة مختلفة، ولكني لا أستطيع أن اخترع لمحمد شكري، حياة مختلفة، لأنني أحببت فقره وكفاحه، ودمائه التي نزفت من أثر الضرب وكثرة العلقات!!!
تعودت حينما اكتب رسائلي إلى إحدى الأصدقاء، أن أتكلم عن أبطال كل الروايات التي اقرأها، إنني أحاول أن أخلدهم، لأني في الحقيقة لا استطيع أن أنساهم، أو حتى أتجاهل وجودهم، ذات مرة كتبت رسالة طويلة، عبر الأيميل، إلى أبن عمي والذي كان يقاربني في العمر، لقد كان مجنوناً ومدهشاً، ظللت أتكلم كثيراً، عن القاتل المأجور في رواية "ديفيد معلوف" الإرهابي، كنت مفتونه به، وكنت أتصور أنني لربما سأكون يوماً،رفيقة هذا القاتل المأجور، في النهاية لم يصدق أبن عمي والذي لم يكن يقل جنوناً عني، أنني أتكلم عن بطلاً ورقياً، وإنما كان ولا زال، يظن أن هذه الشخصية قد عاشت جزءاً من حياتي!!!
وأنا حينما عدت إلى البيت، وفكرت أن اكتب لك رسالة، أشكرك فيها بكل عمق المودة، التي احملها للآخرين الذين يقاسموني حياتي، وبعض خيباتي العاطفية، لم استطع التخلص من هوايتي الغريبة، في إستحضار كل الوجوه التي أحببت التطلع إليها. بالتأكيد مجهدة ومتعبة، بل متعبة جداً، هل تظن البكاء امراً سهلاً، أنه يتطلب منك نشجياً خاصاً، يشبه نشيج بطلات قصص يوسف إدريس، لماذا المرأة في أغلب قصصه مهمشة، تلعب دائماً دوراً ثانوياً، إنها زوجة سيد الفرارجي، أو سيد الطبال، أو إنها ضوءاً خافتاً، كما في بيت من لحم، لم أتخيل مدى قبح الفتيات، كما وصفهن يوسف إدريس في قصته، مشكلتي لا أستطيع أن أتخيل أن تكون هناك فتاة قبيحة ابداً، هناك فتاة شريرة، أو من غير أخلاق، أو سليطة اللسان، لكني لا أستطيع أن أقول، عن أي امرأة في العالم إنها لا تملك جمالاً!!
الساعة الآن الحادية عشر والنصف، واسوأ مايفعله المرء، أن يكتب رسالة قبل أن ينام، وأنا صغيرة كنت اكتب رسائل في الهواء إلى والدي حينما أغضب منه، "يلعب الأب دوراً مهماً في حياة الفتاة، لأنه أول رجل ترسمه مقياساً لكل رجالها القادمين"، أطلب منها أن تسافر إلى غرفته، وبالفعل في الصباح، يأتي والدي ليوقظني وهو متناسي تماماً كل ماحدث من خلاف أو سوء فهم، حاولت أن أجرب هذه الطريقة، حينما خطبت في آخر مرة، وفشلت المهمة، لم يكن هناك تواصلاً، لم يكن يستطيع أستقبال الرسائل، البعد الجغرافي، ( الخبر-نيويورك-نيويورك –الخبر) والبعد النفسي، كان يجعل الرسائل تنتظر في سماء غرفتي لا تغادرني ابداً. قلت لك إن اسوأ مايفعله المرء، أن يكتب رسائله قبل أن ينام، لأنه في الحقيقة لن ينام ابداً، وسيظل يفكر ويفكر، هل ماكتبته كان جميلاً ومسلياً وظريفاً، هل أخطأت في ذكر تلك الحادثة، هل تجاوزت الخطوط الحمراء والخضراء والصفراء مع الطرف الآخر، هل وصل الاعتذار، هل وصلت الفكرة، أم أنها تعثرت في الطريق!!!
أشياء وأشياء، ولكني هذه الليلة، سأعتبرها استثنائية، لكي اكتب فيها رسالة جميلة، تتقافز فيها كل الحكايات وبعض البطولات الزائفة. كل ما أريد أن أقوله لك، إنني أريد أن اشكر لك وقفتك الجميلة معي، تعودت أن اكتب رسائل شكر لكل الذين يسوقون حياتي إلى فضاء أوسع وأرحب، ليس بالضرورة استخدام الكلمات، والحبر، والورق، فالصديقات لا يفضلن الرسائل، وإنما يفضلن الهدايا الصغيرة، أما الأصدقاء فيفضلون الرسائل، لكي يشعروا بمزيد من الثقة وبعض العظمة!!
حينما اتصلت علي صديقتي حورية، صباح الأمس، لتقول لي إنها ممتنة لوجودي في حياتها، ظننتها تبالغ كثيراً في مشاعرها، لم أتصور أن تكون بهذه الشفافية، كل ذلك لأني أرسلت لها مسجاً صغيراً على هاتفها الخلوي، أقول لها فيها، إنني قطفت وردة لأهديها إليها لونها اصفر، ازرق، احمر، أي الورود هي تحب، لكي تشغل صباحها بعد أوراقها، كي تذكرني!
كتبت المسج في الصباح، كنت سعيدة جداً، لا اعرف مالذي حدث لي، كنت سعيدة أكثر مما أتخيل وربما أتوقع، ورغبت أن أسعد بعض الذين أحبهم وأحبوني، وجاءت الوردة لتجعل صديقتي تمطرني الحب بشجن على الهاتف، غالبت دموعي، وبعد عشر دقائق من الحديث، سألت نفسي، إلى أي مدى سأظل بمثل هذه العاطفة، التي تشبه عاطفة الجدات، لازلت صغيرة على كل هذه المشاعر، وعلى كل هذا البكاء، ولكني لم أتصور أن اغرق في البكاء كما غرقت اليوم!!
لذا عليك أن تصدقني حينما أقول لك، إني مجهدة من الطريق ومن السيارة، ومن حديث صديقتي في السيارة الذي لم ينقطع، كانت مبتهجة، تعلمت قيادة السيارة، حينما ركبت بجانبها، كنت أريد أن أتكوم على نفسي، تماماً مثلما يفعل البرتومورافيا في جميع رواياته، ومثل تفعل زينة حينما تعلمها بأي خبر لا يخصها، زينة تتألم للآخرين لكنها لا تتألم بمقدار ذلك لنفسها، طموحها أن تكون مخرجه، تجلس على ذلك الكرسي وتمسك مكبر الصوت، وتشرع في توجيه الممثلين لأدوارهم، تقول لي دائماً، أحلامنا دائماً تبقى حية ونضرة في قلوبنا، لا تموت إلا حينما نتزوج، فننسى كل شئ يخصنا، لنفكر بالزوج والأطفال، ولكننا لا نحقق أي شيء يخصنا، لا تاريخ نحكيه لأطفالنا، ولا مستقبل نعيش لأجله، إن كل مانعيشه أن يعيش أطفالنا القادمين عيشة تليق بهم، لذا أعرف أن حلمي أن أكون مخرجة، هو مجرد حلم، لكن مالذي يجعله غير قابل لأن يكون حقيقة، هل هي قبيلتي، والدي، أخوتي، أم هي زينه نفسها !!
لكنها شغلتني بحديثها الصاخب، تكلمت عن الطريق والسيارة والسرعة والرجل الذي قام بتعليمها القيادة كمحترف ومتمرس، والحديث الدائر بينهما، عن الشيعة والسنة، وتساءلت لماذا تغرق صديقتي في إحساسها باللحظة الجميلة، وأغرق أنا في البكاء الطويل، لقد كان مزعجاً، أنتهت علبة المناديل، ولم يتبقى غير أن تمسح بطرف عباءتك، أمزح معك، لا يمكنني أن افعلها، ولن افعلها، أتذكر دائماً مربيتي مس مارجريت والتي لم تترك بيتنا إلا منذ عامين وربما أكثر، آآخ هذه قصة أخرى، لا أريد أن ابكي الآن، صورتها أمامي الآن فوق إحدى الطاولات المتناثرة في صالوني الخاص، سيدة جميلة ومليئة، بيضاء ذات شعر أشقر، ونظارة مستطيلة، وابتسامة يستحيل عليّ أن ارسمها، يآلهي كيف يمكنني أن ارسم ابتسامة، لسيدة قامت على تربيتي، منذ أن كان عمري أربعة أعوام، حتى وصلت إلى عمري الحديدي هذا. إنها عجيبة ورائعة و مدهشة!
كيف يقول الآخرين شكراً لمن منحهم الكثير من الحنان والود، كيف يكتبونها، وكيف يستطيعوا أن يلبسوها الكثير من الحلي والزينة والعطور!
كيف يقول الممتن لدفء الصداقة، أرجوكم قللوا من سخونة الهواء،،،
كانت رسائلي لوالدي سهلة وبسيطة، اكتبها قبل أن أنام، ليقوم الهواء بإيصالها، الآن هل سيقوم الهواء وأزارير الفاكس وأجهزة التلفون، لقول كلمة صغيرة، "شكراً لك، لقد كنت رجلاً مذهلاً، كنت صديقاً وأخاً وأستاذاً أكاديمياً من الطراز الأول".
سأكتب لك رسائل كثيرة، بالتأكيد في الهواء قبل أن اغرق في النوم، لتكتمل إليك الرسالة، لأني لم أكملها الآن،،
























22 يوليو, 2006 01:17 ص