فقد وجدني الجميع فتاة في غاية الجنون الذي لا يمكنه أن يصدقّ... ســـــــــاره
لقد فاتك نصف عمرك،،
هل أستطيع أن أقول لك ذلك، حينما نبحث عن مخرج لبعض الوقت، نذهب إلى أقرب صالة مسرح لحضور مسرحية هزلية، نضحك حتى نخرج كل مايمكننا إخراجه من أجسادنا، دموعنا، ضحكاتنا، لغتنا البطيئة والسريعة، مفرداتنا الخاصة، كل شي يحدث حينما تهتز أجسادنا، تضحك صديقتي أحياناً، حينما تقول لا أعرف لماذا أشعر حينما أضحك، ويهتز جسدي، إنني سأفقد شيئاً منه، أصابعي، أو واحده من عيني، كانت صادقة للحد الذي لا يطاق، حينما تكلمت عن لون مشاعرها. في العادة، نحن الشرقيين، نخشى على مشاعرنا من الفتنة، لذا لا نتعلم لأن نبوح بها!!
حينما تضحك ونحن حولها، بعد ان تفرغ كل ضحكاتها الصاخبة، تتوقف وهي تمسح دموع عينيها، وتسأل ها،، هل فقدت شيئاً من جسدي، عدي أصابع يدي!! وتمد يدها وهي عبارة عن كتاب لكن لديه أطراف، ولكنه ليس كأي كتاب، لنقل أنه كتاب التعريب والعُرب، والتبخير والقبل، ألا توجد كتب بهذا المسميات، كتب ضخمة، مصابة بتخمة غريبة، أصابع تلك الصديقه، تشبه، أقلام الفلوماستر تلك التي كنا نسرقها خلسة من غرفة أختي الكبرى، حينما كانت تعيش دور عمرها، بأن تكون فنانة، ولديها مرسم خاص، وتلبس مريلة بيضاء، وتجلس على كرسي خشبي، تواجه العامود حامل اللوحات، وتضع عليه لوحه بيضاء، كنا نضحك عليها، فقد كانت أكبر سناً منّا، لنقول لها، “واحد شاي وصلحوا”، كانت أشبه بجراسين أفلام السينما، أسود وأبيض، ولكنها كانت جميلة، تشبه المذيعة التونسية، كوثر البشرواي، ولكنّ أختي الكبرى أخف دماً من كوثر، ثقيلة الطينة!!!
لكني وجدت أن " واحد شاي وصلحوووا" يليق بها كثيراً،،
قلت لك فاتك نصف عمرك،،
لقد ضحكت كما لم أضحك منذ فترة طويلة بهذه الكمية، وهذا الأهتزاز الذي يصيب كل مفاصلك، لقد غرقت في الضحك، حتى إنني لم أستطع أن أكتمها، وخرجت خارج الصف، ولم أدخل إلا حينما تأكدت إن الكاميرا أطفئت!!
لقد ساح مكياجي، ورسمت الدموع بالكحل الأسود على وجهي، كإنهار عبدالحليم في أغنيته التي كنت أسمعها حينما كنت في الثانوية العامة، "قارئة الفنجان" ولا تسألني لماذا، كنت وقتها متعطشة للبكاء، أحب المذاكرة وأنا ابكي، بعيد الشر عنك، "أفتقد إلى الكثير من العقل، لأني عاقلة جداً" كما يقول ماركيز في إحدى رواياته، ربما أحتاج لأستشارة سريعة وعاجلة!!
أحلامي تختلف عن أختي الكبرى، صاحبة المريلة البيضاء، والكمية الهائلة من الشخصيات التي عاشتها، ذات مرة عاشت دوراً غريباً، لقد حاولت مرة أن تكون صبياً، فأخبرت الجميع أن عليهم أن ينادوها بسليمان، وكانت تعتمر القبعة لتخفي شعرها، الذي كان يميل إلى الأشقر، أقول يميل ولم أقل اشقراً كما هنّ بطلات هوليوود، تضحكني أختي، مثلما أضحك احياناً على خيباتي!! "خيباتي قليلة بالمناسبة"، أحياناً أخترعها، حينما لا أجد لدي أي خيبات!
لقد ابتدأ بعض الطلاب في عمل الحوار التلفزيوني أمام الكاميرا، وكنت أنا مشغولة بالقراءة ومتابعة ماكتبه زميلي، لم أجد الوقت الكافي لكتابة بعض الاسئلة، خاصة بعدما أخبرتني أنك لن تحضر!! فلم يعد للموضوع أهمية، مثلما كنت أتصوره، وأنا اقرأ ماكتبه زميلي، فجأة سمعت اصواتاً وتفاعلات غريبة، وكأني أمام برنامج "الكاميرا الخفية"، أو أي برنامج هزلي يقوم على تقليد ضاحك وساخر، لأهم البرامج التلفزيونية الحوارية، لقد بدا لي كأنهم ديوك يتناقرون ويصرخون، ويمثلون ويطلبون منا في النهاية، أن نضحك عليهم!!
لقد ضحكت حتى إنني لم أتمكن من أن أكتم كل هذه الكمية الكبيرة من الضحك، لقد فاتك نصف عمرك، كنت تفرجت على شيئاً جميلاً، لم يتضايق أحد من الضحكات، التي تلت إنتهاء فقرة كل واحد من الطلاب!!
ولكن حينما جاء دور أربعة من الطالبات، حينها، كان عليّ أن العب دور تلك الصديقة البدينة الضاحكة، ذات الأصابع الضخمة، أحياناً أتخيلهم، مثل أعواد الآيس كريم تلك التي تناوبت على أكلتهم ذات صيف في مدريد، سأخبرك بقصة عجيبة وغريبة، ولكنها جميلة لأنها تشبهني، في صيف قديم، كنت في السابعة من عمري، أقضي إجازتي في اسبانيا، في مدينة قريبة جداً من ماربيا، كنا نستقل السيارة الخاصة بنا، ونذهب من تلك المدينة إلى ماربيا، في فترة زمنية لا تقل عن نصف ساعة فقط. كنت مغرمة بالأحذية، ولازلت حتى الآن، وأحلامي تبدأ كبيرة، وتنتهي بأن أقوم بفتح محل صغير، أبيع به بنفسي كل الأحذية والصنادل البحرية التي أحب أرتدائها، وذات مرة وقفت أمام واجهة إحدى المحلات، وأعجبني حذاء جميل جداً جداً، ولأني منذ صغري، لم أتعود على أن أقول أريد ذلك ولا أريد ذاك، "عقلية فريده من نوعها"، كنت دائماً اتمنى من الآخرين ان يفهموا طلباتي، دون الرغبة في إصدار الأوامر، اظن انني الآن تغيرت، بل تغيرت كثيراً، ظلت اخوتي البنات، ينظرن إلى بقية الأغراض، ماعداي أنا، لقد تسمرت أمام واجهة المحل، وبقيت معي الخادمة، التي بدا عليها أنها تململت من الوقوف، بلا مبرر أمام نفس المحل لأكثر من ساعة.
في البيت أختمرت الفكرة، اريد هذا الحذاء الجميل، بأي شكل وبأي صورة كانت، حينما ذهب الجميع إلى النوم، أخذت كل أحذيتي التي أحضرتها من السعودية، ووضعتها في البانيو، وفتحت عليها الماء، وذهبت إلى فراشي، ونمت!!
في الصباح، استيقظت والدتي على هذه المصيبة، إنتحار احذية ساره، لم يتطرق أحد لمساءلتي، أو حتى لعتابي ولومي، أذكر التفاصيل جيداً، أرتديت "شبشب" البيت لأختي التي تكبرني مباشرة، وكانت قدماها أكبر من قدمي، أصابع قدمي كانت تخرج من فم الشبشب السماوي، أخذتني خادمة البيت إلى المحل لنشتري ذلك الحذاء، الذي لم يخرج من رأسي تلك الليلة، والذي اطلقت عليه اسماً، احياناً اطلق الأسماء على بعض أغراضي الشخصية، كعادة إنجليزية أكتسبتها وبقيت معي حتى الآن!!
حينما تكلمنّ الطالبات الأربعة، خرجت من الصف، وأطلقتُ كل ضحكاتي، ليس سخرية منهن، ولكني تخيلت نفسي في الحقيقة، أمام تمثيلية، وينقصنا جم كاري ليدخل على الطالبات الأربع، ويطلق الرصاص ويمضي بعيداً عنا!! لقد أفتعلنا الحوار والذي كان يخص حرية المرأة، وكانت هناك فتاة سمينة جداً وسمراء، هادئة في الصف، لا حس ولا حراك لها، ولا أعرف كيف تمشي، لأني لم أراها في حياتي تتحرك، فأنا ادخل لأجدها على الكرسي، واخرج ليخرج الكرسي وتبقى هي مكانه، وأحياناً تخطأ أيهما الأكثر تحركاً الكرسي أم هي!! أعرف إنها معادلة صعبة، كثيراً في الصف ما اتساءل، هل هي مخلوق حيوي، أم مخلوق فضائي جاء على شكل مخلوق دموي!!!!! حينما سألتها زميلتها مارأيك بدور المرأة في المجتمع، وفجأة صرخت الطالبة وأخذت تلقي مناظرة، كانت متوحشة جداً، قال زميلي، وهو غارق في الضحك معي، ياساره الله يعين كل رجال الدنيا على هكذا نساء،،!
يآلهي الم أقلك، لقد فاتك نصف عمرك،، لو جئت كنت على الأقل مارست معنا غواية الضحك، والبكاء من فرط البهجة!!
لقد تحول وجهي إلى خارطة من الألوان، لقد أمتزج الكحل الأسود، بالظل البنفسجي، ولم تتوقف دموعي عن الجريان.
في العادة دائماً نترك الأمور التي تخصنا، للزمن، للوقت، للمكان، للظروف، قليل مانركض وراء أشخاص لنعبر لهم عن إمتنانا العظيم تجاهم، لو صادفناه في الطريق وسنحت لنا الفرصة، ربما نقتنصها، وربما لا!! ربما نعبر ذلك الحاجز وربما يعبرنا هو. ويبقى الكثير الكثير ليقال، ولكنه لا يقال، لأننا نخاف من كل شي، نخاف من الوقت، ومن المكان ومن الشخص الذي نود ان نقول له، هانحن نكسر الحاجز، لو كان في الحقيقة هناك حاجز. في المبنى التجاري الذي ضرب في نيويورك، حينما علم الجميع أنهم ماضون إلى حتفهم، اتصل الجميع على أحبتهم، ليخبروهم عن مشاعرهم، هل شاهدت البرنامج الخاص، " آخر دقائق من حياة الهالكين في المبنى التجاري"، برنامج وثائقي حزين للغاية، ستظل لمدة نصف ساعة، وأنت تسمع كلمات لأناس بعد دقائق سينصرفون إلى آخر بداية حياتهم الجديدة، معظمهم تركوا رسائل على الأنسر مشين، في آخر دقيقة، نّّعبرُ في حياتنا المتمازجة بالموت والحياة، عن شكرنا العميق لمن أحببنهم وأحبونا!!
هنا في الشرق، نخجل دائماً من البوح،،
نخاف أن تظهر مدى هشاشتنا التي تشبه البسكويت، آآآخ كتاب رائع لو قمت بتأليفه، قلوب رجال الشرق مثل الباسكويت، سهل الأذابة في كوب الشاي!! هل تتخيل سيقرأه رجال المريخ ونساء الزهرة، هل ستتخيل سأجني ثروة من هشاشة قلوب رجالنا!!
كم تركت أثراً جميلاً بالنسبة لي، وأنا لن اكون مثل البقية، ارتقب اللحظة، وأختار المكان، والصدفة، حتى أقول شكراً، اظن أن تربيتي المتمازجة بنصفيها، علمتني أن اعبر عن مشاعري بشكل مباشر، وأن اكون على مقدار هذه المشاعر.
شيئاً ما قد تحرك في مشاعري، حينما دخلت الجسر متجهة إلى مدينة الخبر، في هذا الوقت، كانت تأتي الرسائل عبر جوالي من اصدقاء طفولتي واصدقاء عائلتي، الكل يسألني كيف كان يومك، وكيف كان درسك الأول!!
ومن الغد، حينما تصلني الرسائل، ستخصني أنا لوحدي، ولن تخص طرفاً آخر، لقد أقترن أسمي بالنسبة لمحيطي الخاص، وحتى محيط عائلتي، بإسماً آخر، لا أحد يعرف أسمك، ولكنهم يعرفون الدكتور في الجامعة، فحينما يسألوني كيف حالك؟ فأنهم يقولون لي، كيف حالك، وحال دكتورك في الجامعة معك؟ اصبح اسمي مقروناً بدكتوري في الجامعة، ولم أعتد منذ شهرين، أن يسألني أحد عن ساره، دون أن يلتفت إلى ذكر إسمك!!
الآن انتهى الكورس، ولن يعود هناك شيئا استطيع ان اخبر الجميع به. لم تعد لدي القصص لأحكي بها لأبن عمي الذي يدرس بلندن، ويشاركني متعة الجنون بها، لن تكون هناك حكايات عادية أو أقل من عادية، أخبر بها عائلتي حينما أعود من البحرين، لن يكون هناك ألوان البطيخ، أو ألوان فساتين سكينة التي تلبسها في الصف، وأغرق أنا في الضحك، في تعداد كمية الألوان التي تلبسها، وإتساءل إذا كانت سكينة، تعي حقاً ماتلبسه، أم انها تحاول إضحكانا وتلوين آفاق أحلامنا الخاصه!!
عائلتي تعرفك، كدكتور أحب طريقته في الشرح، وفي طريقته في الكلام، وفي أحاديثه مع الطلبة، وسخريته وغروره وتكبره وتعاظمه الشخصي، لم يسألني احد عن اسمك، وحينما اتكلم عنك، يظن الجميع انني اقصد د.عبدالناصر، وحينما اتكلم عن د.عبدالناصر، يتساءل الجميع، هل هذا هو دكتور جديد لديكم، الصور تتشابه بالنسبة لهم، في حين انها ثابتة الألوان بالنسبة لي.
تعرفك عائلتي، منذ أن عدت ذات مساء رمضاني، وأخبرتهم إنني استوقفتك لأعتذر لك عن تأخري في عدم حضور الصف، واستلمتني انت وأخذت تتمسخر عليّ، كنت اقول لهم القصة، وأنا اقلدّ طريقتك في الكلام، وأاضحك، لا تتخيل حينما تركتك ومشيت، أو مشيت أنت حتى لاتغضب من التشبيه، أنفجرت في الضحك!
لأول مرة أجد أحداً يسخر مني بهذه الصورة، ولا أغضب منه، أو حتى أثور وأعربد، لو كنت رجلاً آخر، لجريت خلفك، وأستوقفتك، وسألتك بأي حق تجرأ على السخرية مني، ولطرحت عليك الف سؤال وسؤال غاضب أحمق، أعمى، لا يملك إلا الهلاك الشديد، ولقلت لك تاريخي الشخصي، وتاريخي قبيلتي، وأنخرط بعدها بالبكاء المرير، ليس حزناً على طريقتك في التعامل معي، ولكن لأسباب كثيرة، لأنني سأشعر بأني لا أستحق كل مافعلته لي، هكذا كنت سأفعل لو كنت في الرابعة عشر، أو في العشرين، او حتى حينما أكبر وأصبح في الثلاثين، طريقتي احفظها جيداً، كبريائي يقتلني في كثير من الأحيان، و و و و لا اعرف مالذي كان يمكنني فعله، لكني متأكدة أنه يمكنني أن أفعل الكثير!!
كنت في ذلك المساء الرمضاني، اتصل على صديقاتي وأخبرهم عنك، تخيلي لقد استوقفت دكتور المادة الأولى، وحينما اعتذرت منه، قال لي كذا وكذا، وهكذا وجدتني أجيد تقليدك جداً، لكنني كنت سعيدة، بنظرات الآخرين، لي،،،!!
هي أنتِ ساره توقفي عن كل هذا؟؟
لماذا انتِ مهتمة بدكتورك إلى هذه الدرجة؟؟
هل هذا سؤال أو إتهام!! أهرب بكل حيلي الخاصة التي أملكها منذ طفولة الحذاء والبانيو، والشبشب السماوي، كنت أهرب كمتمرسه لامجال لأن يضبطني احد ما!!
ولكني لا أحاول أن اضبط مشاعري بإتجاه القبلة، ولا أحاول أن اخنقها، ولكني أحاول أن أتمازج معها بقدر ما أستطيع، أحاول أن أتكيف مع جمال رونقها، وصفاءها الذي بدأ يقاربني، لم أتعود أن أهتم بأحد، لم اجد الوقت الكافي لأفكر أن اختلس النظرات بإعجاب إلى أي شاب، أو حتى أن امارس لعبة الفتنة مع احدهم، كنت محط الأنظار ولازلت، لذا لم أتعود على أن انشغل بغير ساره، أحياناً تصدعني ذكريات القديمة، أضحك كثيراً، وأحزن بعض الوقت، لأني لم أستمتع أكثر مما هو متاح، في السعادة أبدو انانية جداً، أحاول أن أشربها كلها دفعة واحده، حتى لا أبقى شيئاً بها!
ربما أكثر شي سيبقى في ذاكرتي، حتى لو كبرت أكثر، لا أعرف كم أحتاج لأعوام، لكي أشعر بأني كبرت، لو طلت شبراً أو شبرين، لو استحالت الكرة الأرضية بين أصبعي، إلى مساحة غير مدورة، مكعبة أو مثلثة، سيظل رأسي يحوي الكثير، من تلك البهجة التي كنت اختلقها لنفسي، وحسدني عليها الكثيرون. إن أجمل الصور التي أحملها في رأسي الصغير، هي تلك النظرات التي كنت اختلسها لدكتوري بلا خجل، وأحفظها في مكان ما، داخل محيط قبيلة ساره، احفظها تماماً، ولا يمكنني بأي حال أن أنساها، أسترجعها كثيراً، بين الحين والحين، وأسعد بها، أذكر جيداً، حينما كنت أنتظرك حتى تخرج من الصف، فينسحب ظلك، خارجاً بعدك بشكل أجمل وأدق، أخرج بعدك بدقائق، احياناً كنتُ أجلس بالصف، حتى لا يبقى معي أحد، فاستطيع الخروج وأحتساب خطوات قدميك بمفردي. مشاركة بعض الصديقات متعبة، عليك أن تصيخ السمع لكل كلمة تقال لك، ولكن رأسي مشغولة، وقدمي أيضاً مشغولة، أحسب الخطوات التي مشتها قدميك، أستخدم السلالم بدل المصعد، شعوري بأني شيئاً متحرك، لا شي صامت، ينتظر تلك الخزينة التي تحوي جسدي وإجساد اخرى تقيدني، فأشعر بأني مصيدة لهذه الخزينة، وبالضغط على ازرارها اشعر بالأختناق، ربما لأني في عملي تعودت على هذه الخزينة، وكرهت ان استخدمها خارج نطاق حياتي العملية، اتسلق السلالم، فأتذكر كل شي عن حياتي، صدقني تأتي كل الصور دفعة واحدة، فتتمازج حياتي السابقة، بما هو آتي لحياتي القادمة، تسبقني أنت في العادة، خطواتك أسرع مني، تقف عند كراسي الكافتيريا الحمراء كما يسميها الطلبة، في العادة واقفاً تتحدث مع إحدى طالباتك، أو أحدى طلابك، فأجلس على باب المبنى بقرب النباتات، مما يسمح لي بالنظر إليك، حولك الكثير من الطلبة مشغولين بالحديث، واحد من الزملاء يظن أنني أنظر إليه، "غبي" لم افكر حتى إذا كان ظهره لي، أم وجهه لي، لم أفكر إن كان واقفاً أو جالساً، إن كان يستطيع أن يلاحظني أم لا، فيرسل لي الرسائل القصيرة على هاتفي الخلوي، رسائل مضحكة، أشتم منها رائحة دخانه، أحياناً يحجب الرأيا عني، فا أكاد لا أراك، كم أتمنى أن أرسل له رسالةً لأقول له، من فضلك، أبعد قليلاً، فأنت تعيق حركة المرور عن عينيّ، أو يمين شمال من فضلك، وكأني العب معه لعبة كرة القدم، يسبقني برسائله، "يالعينة غضي البصر" أو "الهذه الدرجة أنتِ مفتونة بي؟؟" فأغرق في الضحك، كم هو مغرور لابأس بذلك، كثيراً ما يخطأ الآخرين في فهم أهدافي، ولكني في الأغلب لا أعيد إصلاحها، أو ترميمها، لا يهمني أن يفهم أو يبقى غبياً كما هو، إذا كان يستمتع بهذه الخيالات فليستمتع بها، طالما أني لم أتكلم ولم أبح له بشي.
لدي زميل سعودي، في المحاضرة الأخيرة، أتدلل عليه كثيراً، لا تسألني لماذا، ربما لأنه يميل إلى السمنة، ربما لأنه يرتدي ثوباً ابيضاً، أو لأنه يتكلم نفس لهجتي، أو لأنه يملك شارباً ولا يدخن، ولديه جهاز خلوي واحد، وأنا املك ثلاثة، ولديه خمسة أصابع في اليد الواحده، ربما لأنه يحرص على أن يقلم أظافره، أو لأني دائماً أجده واقفاً عند باب الصف، أو لأن لفمه اسناناً جميله، لا أعرف لماذا أستسيغ هذا الزميل، ربما لأننا نتشارك في حبنا لنفس الأشعار، أو لأنه يكتب لي كثيراً، ويرسل لي من تحت الطاولة، كل الرسائل المضحكة، فيعلق على ذاك وتلك، وأنا أميل إلى الضحك في الصف، خوفاً من النوم، إنها آخر محاضرة، فيغلبني النعاس، أتلذذ في النظر بإتجاه حجاب واحده من الطالبات، وهي تجلس أمامي. ففي المحاضرة الأخيرة، أجلس في آخر الصف، حتى أستمتع بالنظر إلى الجميع، وأرسم أحذية الدكتور المتنوعة، أنظر لحجاب فرح، فأدوخ وأصحصح بعض الشي، كل أحجبتها عبارة عن مربعات أو مستطيلات، أو مكعبات، أو كلها معاً، وهي في الغالب تجلس أمامي مباشرة. زميلي هذا يحمل كتبي، وأحياناً كوب قهوتي، وأحياناً يرسم لي على كتبي قبلات وقلوب، أتقاسم معه كل بهجة الحياة، وكل أنواع الضحكات، خضراء، زرقاء، بنفسجية كلون عيني صديقتي، حينما قررت ان تكون مميزة، فلبست عدسات ملونة، لتتحول فجأة إلى قطة، أجده لطيفاً معظم الأحيان، عاطفي جداً، سهل الوقوع في أي شرك، لكني بعد ذلك ندمت، بل ندمت جداً، كنت أتمنى بعد كل هذه القلوب، والتي كنت أحسبها نكتة نضحك بها على بعض الطلبة، أني رسمت لقلوبه الجميلة الندية، شعراً طويلاً أو قصيراً وأذناً ونظارات، لتظل مجرد نكتة، حتى لا ينكسر قلبه!!
أحياناً تجلس بعد إنتهاء محاضرتك، في الغالب تتحرك سريعاً بإتجاه سيارتك، وكم أحسد نفسي حينما تقرر أن تجلس لتشرب القهوة مع زملائك من الدكاترة، كثيراً ما اتساءل، كم هم محظوظين بالجلوس معك، هل يشعرون بذلك، هل يحتفون بوجودك، كما أحتفي أنا بوجودك في الصف، حينما تقرر أن تتحرك من على الكرسي في الصف، لا أعرف لماذا يدق قلبي كثيراً، لماذا تجتاحني حمى غريبة، لم أعرفها طيلة حياتي إلا في مرات قليلة، أول هذه الحمى اللعينة، حينما كنت في الرابعة عشر في الهايد بارك، مع إحدى اصدقائي وأسمه طارق، يهوى العزف وتأليف الموسيقى، وهو شاب لا مثيل له، سعودي قضى حياته مع عائلته متنقلاً بين اوروبا وامريكا، لذا فرأسه بقيت جميلة لم تلوث بعد، حتى بعد طلاقه من احدى اشهر العارضات الأوربيات، وإحساسه المرير بكثير من الخيبة.
اسأل صديقتي عنى الحمى التي تصيبني، فتجيبني بضجر يقتلني، هل سمعتي بشي، اسمه مرض الغباء، أفتح عيني أمامها، أحاول أن أخنقها، أو أن امتلك عصا سحرية، لأحولها إلى ضفدعة، أعرف أنها تكره الضفادع، فهذا أكبر عقاب لها، أو إلى قلم رصاص، حتى أستطيع أن أبريها كل خمس دقائق، لتنتهي من الوجود بأكمله!!
إذا أنا غبية، هكذا اقول لها! نعم وأكبر غبية، حمى لأن دكتورك في الصف، يتحرك من كرسيه، ليقف، فتضرب بيدها على رأسي!! فأقول لها، هل تحول رأسي إلى مغارة على بابا، حتى تضربينها، فتفتح لك بأول كلمة ياسمسم، فتقول لي انت سم وليس سمسم!!
شيئاً ما لا يفهمه الآخرون، يبقى بينك وبين روحك الخلاقة...
كم هي جميلة تلك الدقائق، التي اجلس بها أمام المبنى، فتمر الزميلات، يسلمن علي، أو أبادرهن بالسلام، ولكني أطلب من كل واحده تأتي للسلام، أن تقف بإتجاه لا تمنعني من رؤيتك، لا يعرف أحد انني طيلة الوقت برج مراقبة، وكم تمتعني تلك المراقبة، فما أن اصل إلى السعودية، حتى احكي لمربية البيت، واحكي بشي من الإفاضة لصديقتي على الهاتف، فأسمع صوت همساتها، وبعدها تتمتم، هل انتهينا بعد من كل هذه النظرات الجميلة البعيدة والتي لا يعرف عنها دكتورك شيئاً حتى استطيع أن أنام!! ساره أنا سعيدة جداً لأني كنت أتصور أنك مجنونة، الآن انت مجنونة بحق وحقيق!! استمتع جداً بالكهرباء التي تحدثها قصصي التي أحكيها، كلها تعني لسارة، وتمتد لساره، ربما أنت في عالمِ آخر، مهموماً بأموراً أخرى، وبأشياء أكثر عمقاً، ولكني أنا اعتبر ما كنت أعيشه، هي الواحة التي أستكين بها، وهي اللغة الجديدة التي بدأت اخترعها لكي أتحدث اكثر فأكثر مع من يحيط حياتي.
أتعرف ذلك الشعور الفضفاض، الذي لا تعرف إلى أين ينتهي، حينما أجلس مع صديقتي على الجانب الآخر من الكافتريا، وتظل تتحدث كثيراً وطويلاً عن أشياء كثيرة، لا تأتي بمقاسي، أنها اشبه بأحذية اختي الصغيرة، كل أحذيتها كبيرة، ولكنها جميلة، ذهبية احياناً ومطرزة، أو كثيرة الألوان كملابس الهنود المزركشة تلك التي تلبسها بطلات الأفلام الجميلات، وأعجز عن سرقتها لألبسها، أو حتى بسؤالها كي تعيرني أياها في احدى زياراتي. فتظل تتكلم وتتكلم وأنا أحبها حينما تتكلم، لأنها تفتح كل نوافذ قلبها، فأشتم رائحة بيتها، قمصانها، عباءتها السوداء، حذاءها الذي لا أذكر لونه، عناوين أخوتها البنات، والدها الذي لا اعرف إذا كان ميتاً او حياً، شارع بيتها، الحفرة التي وقع فيها ابن الجيران، لمبات الزينة، بمناسبة مولد إحدى مواليهم الكثر، أسماء أحفظها، لها دلالات دينيه عميقة، الآذان القادم من الحسينية القريبة من بيتهم، صوت جرس باب بيتهم، جارتهم الطويلة البيضاء، أبنتها الصغيرة المطلقة، والتي تدخن الأركيلة من غير علم أهلها، حلمها بأشياء كثيرة، لا تعرف كيف تبدأ وكيف تنتهي، تسألني سؤال أخنق ضحكتي التي خفت أن تفلت من فمي، لتكبر لتصبح بحجم مساحة الجامعة، حينما سألتني هل تذهبين إلى السينما؟ وهل هناك عاقل أو مجنون لا يذهب إلى السينما!!
أطلب منها أن نتحرك، لست حريصة على حضور المحاضرة، بقدر حرصي، أن اراك لاتزال جالساً على الكرسي في الكافتيريا، لابد أن نعبر هذا الطريق حتى نصل أسرع إلى المحاضرة، حديثها يمطرني اكثر فأكثر، أحاول أن أغلق النوافذ، أشعر بالبرد، هيا بنا، سوف نتأخر عن المحاضرة، أرغمها على أن نتحرك، أجمع اشيائي الكثيرة، فتخرس القصص، تترك أسماء إخوتها على الطاولة، يظل والدها امراً غائباً، لا معرفة لي إلى الآن إن كان حياً او ميتاً، وتظل الجارة، واقفة على باب بيتهم، تنتظر أن يفتح أحدهم الباب، فجرس البيت ينتظر أن تنتهي الصديقه من كل حواديتها حتى يفتح أشرعته، ولكني لا أستطيع، أريد أن أمر عليك وألقي نظرة واحده، وبعدها أذهب وأنا محملة بزخماً هائل من المشاعر، والتي على أثرها سأضطر لأن اكون مستيقظة حتى نهاية المحاضرة الأخيرة، تحركنا بإتجاه مكانك، فوجدتك تمشى مسرعاً بإتجاه سيارتك، لم تلتفت ولم تلقى بالاً على تلك الفتاتين والتي أنا واحده منهما، كانت تتمنى أن ترسم لون بهائك على حافة دفترها!!
يآلهي كم شعرت بالحزن، ومضيت أمشى فاغلقت كل شي، لم أعد أسمع لصديقتي ماتقوله لي، فأنا لا اريد أن أتكلم، وخجلت أان أدير ظهري، لأرى سيارتك تتحرك، أو حتى أراك وأنت تفتح باب سيارتك!!
لقد ظهر الحزن جلياً على وجهي، ولمت نفسي، ماذا لو تركت صديقتي تتحدث مع ظلي ومشيت عنها، الم يكن من الأفضل فعل ذلك، كنت على الأقل سأمر بإتجاهك، إنها متعة ان أجدك خارج حدود الأطار الذي أعتدت على رؤيتك به، جالساً إما ضاحكاً أو منفعلاً أو صامتاً.
إنها من أجمل لحظات حياتي التي عشتها، وأن ارقبك من بعيد أو من قريب، وأستمتع تماماً، واستلذ بأن أرى كل ظلالك تحوي المكان الذي كنت به.





























18 يوليو, 2006 05:51 م