-إلى أسد القرشي، جعفر كاظم، باقر الأسلمي، ومحمد الهاشمي، رفقاء تلك الليلة، مع كل الحب-
كنت اشير إلى زميلة لي في العمل، على شاشة الكمبيوتر، اضرب بإصبعي على الشاشة، اقول لها، هذه مقالة إحدى أهم رفقائي، كنتٌ أعني بذلك أسّد القرشي، بسرعة شديدة غلبتني بها، قالت لي، هل يمكنك طباعتها لي، حتى يتسنى لي قراءتها على مهل في طريق عودتي إلى البيت. المسافة التي تستغرقها للوصول إلى بيتها، حوالي النصف ساعة وربما اكثر، حينما قمت بطباعة مقالة أسّد المرسلة لي، وجدت إيميله مكتوباً أسفل المقالة، تراجعت عن اعطاء تلك الزميلة المتزوجة والمحبة لزوجها، مقالة أسد، فقد استقرت عينيّ على إيميله، وحدثني شيطاني الأصغر، فلدي شياطين كثر لا أعُرف عددهم، لكني استطيعُ ان اقول لك انهم عبارة عن قبيلة من الشياطين!!
بعد حديثي المتواصل مع شيطاني اللذيذ، أخترت في النهاية ما أن رأيتها تسرع حاملة بعض الأوراق، تاركه مكتبها، متجهة إلى خارج المكان، ناديتها، فلانه،،، يمكنك ان تحصلي على المقالة!!
وقد خاب من اتقى!!!!
والبارحة حدث موقف غريب، دكتورنا في الجامعة، زين الدين السلواني، قد دعانا إلى بيته لعشاء يصنعه بيدية، وجئت أنا وأسد وبعض الزملاء في الجامعة، لمشاهدة مباراة فرنسا والبرتغال، وفي نفس الوقت لوداع الدكتور السلواني، في إجازته المعتادة والتي تمتد لأكثر من شهرين. أجتمعنا في شقته الصغيرة، والتي كانت شديدة الترتيب بطريقة، تجعلك تشعر بخصوصية المكان، لم تكن زوجة الدكتور تعيش معه، عملها كإستاذ مساعد في إحدى أهم جامعات فرنسا، جعلها تضطر لأن تتغيب عن العيش برفقة زوجها. وصلت أنا وأسد في ذات الوقت، التقينا عند موقف السيارات، لم ينبته لوجودي إلا بعد أن صفرت له، يحب صفيري له، يقول لي أنني أذكره بنجلاء فتحي، بإفلامها السبعينية، كانت تصفر لكل عشقاها، لم أرتكز على مفهوم التصفير وعشاق نجلاء فتحي، لأني لم أكن أريد أن أدخل معه في عراك لأجل صفارة!!
كان مشغولاً بتهذيب شعره الطويل، حمل علبة دخانه وجهازه الخلوي، ما أن انتبه لي حتى ارسل لي أبتسامة واسعة أعجبتني، كان يرتدي قميصاً سماوياً مخططاً بأكثر من لون، وبنطلون جينز ماركة كي آند أم، مما يعني إستقرار وجود النزعة البرجوازية لدى أسد، مهما حاول التغلب عليها في كتاباته الشرسة من كل أسبوع، سلمنا على بعضنا، أحضر معه علبة شوكلا من تلك التي احبها، "أفتر أيت"، وأعطاها لي بإهمال، وكأنني أنا التي طلبتها منه، دخلنا في مجادلة سريعة، عند مدخل العمارة التي يسكن بها الدكتور، يغريني العطر الذي يغرق به قميصه، ورائحة كريم الحلاقة، التي تنبعث من ذقنه، تكملنا في أشياء كثيرة، أخبرني أنه لم يحب مافعلته نوفا صديقتي حينما أجرت عملية تجميل لأنفها، فوجئت أو ربما لم افاجأ، كل مرة تتغير فيها صورة أسد، إنفعلاته الواضحة، مره أجده تافهاً ومغروراً ويفكر في أشياء صغيرة لا تعنيه، ومرات كثيرة أجده مهموماً بأمور تبدو لي أكبر من قدرته حتى على الولوج بها، أنه يشبهني، لا يمكنك أن تضع وصفاً دقيقاً لشخصياتنا، أحاول أن ازيح صورته أمام عيني ولكني لا أقدر، اتمنى أن اغني له وأنا التي لا تعرف الغناء، أغنية جديدة لميلاني سي " أول يوم في حياتي" وأحلم أن يكون صوتي معبراً، ليطلب مني أن اعيدها مرة تلو المرة، غرقت في متابعة فمه وهو يتلفظ ببعض الكلمات، مقالته الجديدة، مكالمة والدته إليه هذا الصباح، وسؤالها عن عودته إلى جده، المغنية التي تضع الترتر فوق جفونها ، وأندمج في حديثه الذي يشبه الماء، وهو يضحك عن شغف أخية "طارق" الصغير بشراء السيارات، ومن ثم تكسيرها، بدا رائقاً سألته إن كان قد أحتسى أي شي قبل أن يأتي، هز رأسه بلطف شديد، وأنا لربما اكثر امرأة تعرف مشاعر أسد ومزاجه اليومي الحاد، وأعرف أنه كشاب من قبيلتي، لا يمكن أن يكون رومانسياً بأي حال، كما هو خالد الذي عشقته أكثر من أي رجلاً آخر، بطل رواية أحلام مستغانمي الأولى "ذاكرة الجسد" لا أعرف لماذا كتابات أحلام تغمرني هذه المرة!!
رحب بنا الدكتور وبقية الزملاء الذين سبقونا في الحضور، أمضينا وقتاً مليئاً، لم نكن نجد الوقت لنسترخي، أو لنصمت، خاصة أنا التي أندفعت في الضحك والمسامرة في كثير من البهجة، كنت أنا وأسد من المتحمسين لتشجيع منتخب البرتغال، بل وكنا متعاطفين معه فهو لم يحظى بالوصول إلا بعد أربعين عاماً، وهو يستحق أن ينافس على الكأس، فيما أنقسم الدكتور مع بعض الزملاء في تشجيع المنتخب الفرنسي، تقديراً لوجود زيدان، كانت نظرة الآخرين تجاه تشجيع الفريق الفرنسي، ماهو إلا أمراً سياسياً من الدرجة الأولى، زيدان يعطي صورة مشرفه عن العرب، فيما أنا وأسد جل تفكيرنا، ماتراه أعيننا لا سياستنا وتعاطفنا الغبي، رغم إنني علمت بعد ذلك إن زيدان لم يكن سوى موريسكي، أي من أصل أندلسي وليس عربي!!
كان مساءاً مدهشاً، تنورة مارلين مونور وهي تطير، صورة المغنية ولون الترتر يشغل رأسي، كتاب "بوذا الضواحي" ووسامة حنيف قريشي تهلكني، حدثني زميل لي عن مسرحية "الخادمتان" تعرض في المسرح التجريبي، لفرقة بولندية، وسألني إن كنت استطيع الحضور أم لا؟ لا أعرف لماذا تمنيت أن يسمع أسد مايطلبه هذا الزميل مني، حتى يتدخل في الموضوع، فيعرض عليّ أن يرافقني، أبناء قبيلتي أعرف غيرتهم التي تملئ قلوبهم، يبقى الشعور العميق بأنه مسئولاً عنك وعن سلامتك والخشية عليك، طالما بقيت بلا رجل. حرك الدكتور زين الدين الجلسة، وكأنه يمتلك عصا سحرية، فتغيرت رائحة القهوة، وصوت الموسيقى، وطعم السكر في الأكواب الزجاجية المغاربية الملونة بشتى الألوان الفاقعة، أسئلته لنا، جعلتنا نبوح بأسرارنا، ولا أعرف كيف كان بوحي، لأني لم أقل شيئاً أخاف أن يعرفه الآخرون عني، لا أمتلك أسراراً، لا توجد عندي خزينة من الأسرار الوهمية أو التي نخترعها لنحفظ بها خصوصياتنا المشبوهه، ماذا أقول لهم، عن غراميتي التي أخبئها داخل قمصاني خوفاً من المطر، أو عن مشاكساتي مع صديقاتي عند بوابة السينما، إنما ماتحفل به حياتي ماهي إلا مغامرات غير محسوبة، أتوق لأعادتها ولا أخشاها رغم عواقبها الوخيمة. بدأ الحديث ينطلق من عند جعفر كاظم، شاب خجول يتخلص من أرقه وسعادته التي لا يحبها، كعادة كل البحارنة بكتابة الشعر، تحدث عن لحظة أعتقاله وهو في الثامنة عشر من عمره، لأشتراكه في تنظيم سري لأحدى الأحزاب الدينية، ولم تدمع عيناه كما جميعنا توقعنا، وهو يصف بعض أساليب التعذيب لكي يقّر بما يعرف ويعترف، ولكنها دمعت حينما توقف في منتصف قصته، عن لحظة سجن والده لخمسة أعوام حينما كان صغيراً، واستشهاد جاره الصبي ذو الستة عشر عاماً، في إحدى المظاهرات التي أندلعت في قريته، نكس رأسه ولم يستطع أن يكمل، لم أكن أجد جعفر متميزاً بالصف إلا حينما يتكلم، يقول كلمة أو كلمتين تعليقاً على مايقوله الدكتور في المحاضرة، ومن ثم يعود لمخبأه السري، وأظل اعيد في كلماته، أحسبهم على أصابع يدي، وأتمنى أن يتكلم أكثر من ذلك، مايقوله جعفر كاظم، يبدو إتجاهاً آخراً في فن التعبير عن الذات التي لا يتعبها البحث عن ظلال أو كرسي وافر بالراحة، أعترف إنني كثيراً ماكنت أرغب في مصاحبته،أن اقترب منه أكثر، أحببت التلصص عليه، كأن اعرف من يتصل عليه، أو من يقابل، وحاولت كثيراً أن افرض نفسي كشرطي يخاف عليه، ويخشى عليه من العودة مجددا،ً لحياة لايمكنها في الوقت الحالي، أن تضيف إليه شيئاً.
أرخيت سمعي لكل قصص الموجودين في تلك الليلة، حدثنا الدكتور عن لحظة فقدانه لأمه، كان نبضه عالياً، قاوم السقوط في كل مرة كان يتذكر بها تفاصيل بدء حياته، حينما قرر السفر إلى فرنسا والعمل بها، ولكني فوجئت أن تكون لدى أسد كل هذه المخيلة المؤلمة حينما ذكر حادثة أثرت عليه طيلة حياته فيما بعد ذلك، لم أكن اتصور أن تدمع عينا أسد بأي حال من الأحوال، كنت قد عايشته خلال العام الماضي بكل تقلباته النفسيه والفكرية، ولكني لم أجده ولو ليوم واحد رجلاً قادراً على البكاء مثل أبي، حدثنا كيف كانت لحظات الرعب التي عاشها، حينما كان في السادسة من عمره، يمضي حياته بصحبة عائلته في دنفر لاند إحدى مدن امريكا، حينما أضطر والده للسفر إلى خارج المدينة، وأقتحم البيت إحدى اللصوص، إحتجز أسد وأمه وأخته التي تصغره بعامين أما طارق فقد كان ولداً رضيعاً، الوقت العصيب الذي عايشته العائلة لساعات طويلة، حتى قدمت الشرطة، وأستطاعت التفاوض مع اللصوص السود، وإطلاق سراحهم، لم يبدو لعائلة أسد حدثاً عادياً خاصة دون وجود الأب، لم يمر مثل البقية مروراً سريعاً على حادثة أهلكته، ولكنه استمرق بالتفاصيل، كما تفعل جارتنا وهي صديقة أمي، تتعاطف مع صبرها، ومع فخرها بأبنائها رغم أنني أجد الجميع مشغولين عنها، وقد تألمت حينما سمعت والدتي تروي لي قصتها مع الحذاء الضيق، الذي اشترته لها زوجة ابنها الأكبر وظلت تمشى به في شوراع القاهرة، وكانت تقاوم ألم قدميها، ولم تستطع أن تكمل السير، فيما ذهب الجميع عنها، ولم يفتقدها سوى حفيدها ذو الثانية عشر، ظل يبحث عنها، فوجدها قد توقفت عند كورنيش النيل، تلملم عباءتها، وهي تلحس دموعها، ليسقط في حضنها، يمسك بيدها واليد الأخرى يحمل الحذاء الضيق اللعين، وحينما تسألها تقول لك بكل تفاصيل الفرح، إن الدنيا لازالت بخير!!

























14 يوليو, 2006 11:09 م