الصوره لبطلي الذي لا يشبه أحداً - تشي غيفارا
أركض في كل الأتجاهات، أعبر الجسر، ولا يتسنى لي أن اسلم على البحر، الليل يأكل كل شيء بسرعة غريبة ومجنونة، أدخل في حقيبة صديقتي، أبحث عن رائحة الدفء وأضواء السيارات وطعم الخوخ، ريم صديقتي لا تحب البحر، ولكنها كثيراً ماتحاول أن ترسمه بلا أمواج، هكذا نحن الصغار، نحب بعنف ونكره بعنف أكبر، وأول رجل رسمناه، تمنيناه أن يكون مثل تشى غيفارا، ذو جاذبية لا تقاوم، لكي نتزوجه، نظن أن الزواج سهل، تماماً مثلما تطبخ لنا طاهية البيت، كعكة صغيرة، وتخبأها حتى نعود بمراييل المدرسة، لنلتهم جزءاً منها، دقيق وزبدة وبيضتين لتتحول كل هذه العجينة إلى كعكه لذيذة. وصلت لمرحلة أكتشفت فيها أنني لا أملك حلماً، سوى أن يكون لي بيتاً صغيراً في ماربيا، أو في كان، لست فقيرة للحد الذي احلم به ببيت في وطني، وأحلامي التي بدأت أمل منها، ليست مثل أفلام السينما القديمة، جميلة جداً للحد الذي تبدأ وأنت في قاعة السينما تبحث عن الأصوات والهمهمات لترسم وجوهاً وتتخيل ملابسهم الصيفية، وإطارات نظاراتهم، ولون أحذيتهم، وربما لكي تصدق أمنياتك القديمة، أن تجد أحداً يشبه غيفارا. أبنة الجيران تلون أظافرها بعد أن تطول قليلاً، تنفخ عليهم بفمها الذي يشبه حبة الكرز لتنشف، فيخرج الرذاذ متطايراً، تعلك اللبان، وأقصى أمنياتها أن تتزوج وتخون زوجها، تقولها بلا خجل أو حتى الشعور بالمرارة لقزامة أفكارها، أعلمها أن الحياة أجمل من الحصول على رجل ومن ثم خيانته، ولكنها تريد أن تجرب الشعور بقهر الآخرين، أضحك معها، أحبها وأحب كل خربشاتها، الروج الأحمر على شفتيها، يذكرني بممثلة يقول الجميع أنها تشبهني، في لوس انجلوس وحيث كنت أمشي أنا وأختي بمحاذاة بحر لاهويا، يوقفني احدى المارة، ليقول لي، أني جميلة، وأني اشبه الممثلة الأمريكية "سيينا ميلر" ولكنه أقترح أن نضيف بعض السمار لبشرتها، لكي أطابقها، أحب ان اكون ممثلة احياناً، وان اكون مثل سلمى حايك في فيلمها "فريدا" الذي شاهدته برفقة ابن عمي، الذي كان يعطس طيلة الوقت، حتى يخرجني من إحساسي الذي لا يحبه، كنت اطلب منه ان يتوقف عن الوشوشه، وعن رغبته الدائمة في الخروج إلى الحمام، وعن أستحضاره بعض النكت السمجة القديمة، كي يدغدغني، وحينما لم يجدي كل ذلك نفعاً، قرر أن يعطس طيلة الوقت، أصبح فيلم "فريدا" مقترناً بهوس أبن عمي بعطساته التي أربكت الجميع، رغم أن قاعة السينما لم تكن ممتلئة.
لا أعرف كم احتاج من الوقت لكي أكتب، وكم أحتاج من وقت لأعيد كل تحياتي للبحر، الذي انسى دائماً أن اهديه كل قبلاتي وأشتياقاتي، اشياء كثيرة تشغلني، زكام أمي، وبيجامة والدي الجديدة التي فقدها، معاكسات شاب يملك في حديثة، لكنة إنجليزية أحبها وأقدسها، رغم ذلك أتساءل مالذي يفعله صاحب اللكنة بمعاكستي كل ليلة، حتى خلت أنه ابن الجيران الذي عاد قبل عام من الخارج، ولكني حينما سألت عنه قبل يومين، أخبرتني والدتي أنه لم يعد بعد من زيارته لأخته في النمسا، حيث يعمل زوجها دبلوماسياً هناك، فسقط من رأسي، ولكني تمنيت أن يكون هو، لكنه لا يشبه تشي غيفارا. ليلة البارحة عجزت عن النوم، حاولت أن استدركه فلم اقدر، حاولت الوصول إلى نقطة النعاس ولم أفلح، ووجدت إن اصعب شي من الممكن ان يفعله المرء، هو مطاردة النوم، وأستيقظت مرعوبة، هل من الممكن أن تحلم بجدتك، وتستيقظ مرعوباً، هل من الممكن أن تحلم بالملائكة، وتقوم مفزوعاً، ولكنني استيقظت وأنا أتصبب عرقاً، لأكتشف أن علي أن انهض من سريري لألحق عملي، بسرعة شديدة مسدت شعري، وأغرقت قميصي بأكثر من عطر، تمازج العطور على جسدي، ذكرني برائحة إحدى الممثلين الذي وجدته مره يصعد سلالم البناية التي كنت اسكنها في لندن، في شارع إدوارد، كان بطيئاً وهو يمتطي الدرج، ولا تسألني لماذا استخدم الدرج ذلك النهار، ولم يصعد عبر الأسانسير، ولماذا كنت اقفز من الدرج قفزاً، كنت في الرابعة عشر من عمري أو في الخامسة عشر لايهم، لكن أظن أنك ستشفع لي جنوني وعبثي، وحتى كل قصصي الداكنة والمفروشة بالبهجة، وأنا اقفز الدرج كفراشة، عبرني هذا الممثل بطيئاً يتحرك عبر السلالم الرخامية، أعطيته ظهري، وبعدها تذكرت، أنه ذاك الذي شاهدته مراراً في الكثير من الأفلام، عدت أدراجي وذهبت لألحقه فسبقته!!
أهلاً اهلاً،، قبلته ومضيت أدفع مرافقينه، لأعود أقيس درجات السلم بكلتا قدمي!
شكراً لمرورك على تاريخ الشخصي، وشكراً على رسالتك القصيرة لي، جعلتني أعيد قراءتها أكثر من مره، وكأني أعيد قصص صديقتي وأبنة عمي نورا التي تماثلني بعض جنوني، قصيرة وجميلة ومذهلة، لا أعرف لماذا لا تطول قصصها كما افعل، وكما أشتهي، تأتي قصصها مثل الحلوى الموضوعه، في إحدى دكاكين مدينة "رين" الفرنسية، حينما تذهب إلى هذا الدكان المصبوغ باللونين الأزرق والأحمر القاني، تأتيك تلك الفتاة والتي تبدو اشهى بكثير من قطع الحلوى والكعك الموضوعة على السطح المعدني، تحتار وهي تقدم لك الحلوى أتقضم اصبعها، أم تقضم تلك الحلوى المحشوة بالبندق والفستق، حلوى صغيرة تعذبني، يمكنك أن تلتهمها قبل أن ترف طرف عينك، تماماً كشيطان سيدنا سليمان، حينما أعلن قدرته أنه يمكنه أن يحضر عرش بلقيس، وأنا لست بلقيس ولست بسيدنا سليمان، ولكني املك كل شياطينهما، وشيطاني كان يقول لي ليلة الأربعاء، أن اكتب عن دهشتي، كنت أتوجع بعض الشيء، كان أن اتصل بي صديق بحريني ليشرح لي سبب محاولته للأعتذار عن الحضور في آخر دقيقة، عن موعدنا المتفق، وكنت أن استجمعت شجاعتي ولم أبكي، لفرط إحساسي بالحزن الذي علبني فجأة، أحياناً تجد نفسك قادراً على البكاء، في أول محاولة لك للنهوض، حينما تمشط شعرك فتجد أنه طال أكثر مما كنت تتوقع، أو حينما تحاول أن تخبأ نظارات أبن الجيران في خزانتك، وأنت تعرف أنه لا يحب أن يرتديها، أو حينما تكذب بشأن فستان صديقتك الأصفر وهو لايعجبك أبداً، أحيانًا تعبرك الهزائم الثقيلة، كضحكة واحدة من الصديقات، والتي تجدها وفيه للملل وللوقت الذي تجيد رسمه، فهي لاتهتم بأسماء الشوراع وأرقامها أو بحالة الطقس. أتجد ذلك مبرراً لكتابتي "جعفر الحسيني والملكة"، أم تجد أنني ابالغ كثيراً في مشاعري، ولكن كنت قد صرخت في وجه هذا الصديق لأقول له: لقد مللت منكم أيها الرجال!!
والقصة تأتي حينما اتفقت معه، على أن ادعوا دكتوري في الجامعة قبل سفره إلى وطنه على العشاء، وكنت اتصل بزميل الدراسة في كل مرة حتى اتأكد من حضوره، هل تتصور في آخر نصف ساعة، يعلن هذا الزميل عن عدم تمكنه من الحضور، بسبب مرض زوجته المفاجئ، وجعلني في ورطة مع دكتوري، حيث انه من اختار المكان، واصبحنا أنا والدكتور في متاهه، ولم اترك الموضوع يمر مروراً عادياً، كنت قد قررت أن اكون ديكتاتورية، أن أرسم على وجهي شارباً، أن أضع مسدساً قابل للأستخدام في أي وقت، فأتصلت عليه، وأمسكت به من عند رقبته، كما يفعل الهجامه واللصوص والمتطفلين واولاد الشوارع، وكل الحقراء والأنذال الذين يعيشون معنا، واجبرته على الحضور، لقد مللت بشدة من كل هذا الغباء، ومن كل هذا الضجر الذي يحيطني، وشعرت بالرغبة في البوح، وكتبت لأتذكر كل شي، هكذا وكأني افرغ شنطة المدرسة، اقلام، محاية، بنسل، دفاتر متنوعة، كتب مخربشة، علبة كلينكس صغيرة، قصاصات متعددة، رسوم لملامح مدرسات المدرسة، وهكذا ذلك الضجر الذي يقتلك من الآخرين، يجعلك احياناً لا تكون قادراً على أن تسيطر على مشاعرك!!
هل تعرف لماذا لدي كل هذه القصص الكثيرة، لأني لا أزال أدهش، لم أفقد بعد حماستي للحياة، تماماً مثلما جئت إلى مكتبي هذا الصباح، ووجدت رسالتك الظريفة، هذه الأندهاشات الصغيرة والكبيرة التي تملئ حياتي، تجعلني قادرة على الكتابة أظن ذلك، اني اتعامل مع كل الأشياء التي تحيط حياتي، وكأنها تحدث معي لأول مره، لا أعرف لماذا؟ ولم اسأل نفسي لماذا هذا الشعور لا يغادرني، تماماً مثل غدر جعفر الحسيني الأعمى أو زميلي حينما حاول التملص من الحضور، رغم ان الدكتور قد احتفى به اكثر مني، وحصل على منح لم احصل عليها، ولو لم يحضر لكان فقد الكثير من الفرص الذي أتاحها الدكتور لزميلي، إن مانكتبه هو مالا نستطيع أن نحدث به الآخرين خوفاً من غضبهم أو حتى من فقدانهم.
07 يوليو, 2006 11:21 م