وهنا خرجت الدموع غزيرة، لم استطع ان اوقفها، رغم إني حاولت أن اعيد صياغة سارة من جديد، أن اعيد ترتيب نفسي، لكني في كل مرة احاول فيها الحصول على نفس جديد، تخرج دموعي قبل ان املئ رئتي بالهواء، شعرت أني وحيدة، وحيدة لأقصى مايمكن من الأحساس بالوحده، وأشفقت على نفسي، أشفقت على تاريخي الذي احبه، اتذكر مراهقتي حينما كنت اعيش في لندن، لم احب كثيراً ان يعرف الآخرين، إنني تغربت خارج السعودية طويلاً، يأتني الشعور بالنقص، وكأنه لم يكن لي وطناً، هذا ايضاً شعور قاتل، احاول الآن التخلص منه، ثمة امور ليس من المفترض ان تبقى سرية، ولكني احاول ان اخفيها بلا سبب، لكني مرات كثيرة، احاول اختراع الأسباب، حتى اعطي مبرراً لأسراري!!
في مراهقتي كنت اتنقل مثل الفراشة، من محطة القطار بلندن، متجهة لزيارة صديقتي في مدينة ايضاً عشت بها في جزءاً من حياتي، تدعى "رين" وتنطق بالفرنسية، "غين"، من لندن إلى باريس وصولاً إلى غين، لم يكن معي احد، وكنت اتعذب في اختيار الكلمات الفرنسية، ومن حمل حقائبي الكثيرة، حتى استطيع أن اصل إلى الدرجة الأولى في محطة القطار، هذه الأمور التي كانت تحدث لي، سواءاً في المساء أو الصباح، علمتني احياناً، ان اقتل الخوف في قلبي، وأن انخرط مع الناس، حتى لا يلاحظ الآخرين، إنني مصابة بداء الهلع أو الخوف.
أتساءل الآن وبعد كل هذه التجارب الجميلة والمؤلمة والقاسية والمضحكة، ابكي لمجرد إحساسي لساعات بسيطة بالغربة، عن عائلتي، عن بيتي، عن قطط البيت، عن صوت الموسيقى الذي يملئ صالوني الخاص، عن ضحكات ابن اختي حينما يأتي لزيارتنا، افتح باب البيت الرئيسي، فأجد حذائه الجميل، ودراجته الحمراء ملقاه في منتصف حديقة البيت، كل تلك التفاصيل المذهبة بحكايا وقصص العائلة وذكريات اليوم الماضي، حرك بي كل أحاسيسي، وباغتها بالضربة القاضية في تلك الليلة الموحشة.
البكاء هو نوع من الهاجس،،،
لكني في تلك الليلة، والتي اخبرتك فيها، إن اكثر ما آلمني إحساسي العظيم تجاه الرجل الذي ارتبطت به، والدي ووالدتي، اختي الكبرى، ابنة عمي، جنون صديقي الحميم أسامة وموسيقى طارق اللذان لايزالان يمضيان بقية حياتهما في لندن.
هذا ماكنت افتقده وجئتي أنت في المنتصف، امضيت معي دقائق بسيطة، ولكن لازلت اذكرها الآن بكل تفاصيلها، أذكر حديثك الشيق معي، في العادة دائماً عائلتي تخشى علي حينما احزن او اغضب، فأنا انفجر لأقول كل شي، وبعدها ابدأ في الندم، لماذا تسرعت في الحديث عن حياتي الخاصة، لماذا لم اتوقف، لماذا لا امتلك الصمت السحري، لأخرس فمي من البوح في لحظة الحزن، ولكني حينما تكلمت معك، لا يبدو أنني سأندم في الحديث مع فتاة في مثل وعيك، أو حتى في طريقة تفكيرك، فأنت مدهشة، عليك أن تعرفي ذلك، فتاة من طراز آخر، إن تلك الدقائق التي قضيناها في الحديث معاً، مابين درج المبنى وصولاً إلى الصف، كانت هي افضل لحظات ذلك المساء الباااااااااااارد، والذي قتلني ببروده وكسره لعظامي!!
شكراً لأنك كنت ملجئاً حصيناً ودافئاً لي،، شكراً لأنك تكلمت معي ورافقتني من جرحي إلى بوابة العودة إلى ساره، شكراً لكلماتك الرقيقة جدًا، والتي خفت عليها ان تتكسر من شدة رقتها وعذوبتها. حينما كنت في المطار، بعد أن اصر والدي على السفر إلى دبي، كنت انت ترافقيني طيلة اليوم، حتى وصلت إلى غرفة الفندق، كنت اتساءل، بأي لغة يمكنني أن اشكرك على حسن مافعلته معي. لقد كنت سيدة بحق وحقيق، لقد كنت اخت حتى وإن كانت مرحلة الأخوة، لم تتعدى سوى الدقائق، ولكنها كانت بالنسبة لي، ثمينة ولا تقدر حتى بثمن.....
كنت أتمنى ان يكون الرجل الذي ارتبطت به، لا زال حضوره قوياً في حياتي، لكنت اخبرته بكل التفاصيل، ولا اعرف بأي فخر كنت سأتكلم وبأي لغة، عن لون جديد رائع من الفتيات!!
قبل قليل حينما عدت من الخارج، متوجهة إلى صالوني الشخصي، والذي هو عالمي الخاص، لا اعرف مالذي شغلني فجأة وتساءلت كيف لي ان اقيم ساره، لا تعرفين كم كرهت الضعف الذي مررت به في ذلك اليوم. حينما كنت مرتبطة، كان عالم الرجل الذي ارتبطت به، يبدو مختلفاً بعض الشي عن عالمي الشخصي، كنا في نفس مرتبة الثراء، لكن عالمه الخاص، كان يختلف بعض الشي، كنت احضر معه عروض الأزياء التي تقام في لندن وباريس وميونخ وروما وميلانو، اماكن كثيرة، كنت اشاهد عارضات الأزياء، الأضواء، رائحة العطور وهي تتمازج مع الأجساد المتأنقة، كنت أشعر بإن هذه العروض لا تصنع إلا لي أنا شخصياً، لم اكن اشعر بالأنبهار بهم، كما كنت اشعر بالأنبهار بشخصية الرجل، الذي كان يعلمني إن كل مايحدث لي، لا بد أن اعتبره امراً عادياً، وأن لا اخشى منه.
سافرت كثيراً وجربت أن أركب الطائرات الخاصة، وتذوقت الكافيار حتى الشبع، حياة متخيلة جداًً، وكنت في الأيام الأخيرة وكانت طويلة، اتساءل كيف لي ان اعود إلى ساره، بعد ان اعتدت على كل هذه الأجواء الخرافية، ذات مرة وهذه حقيقة لم افتعلها، كنت في نيويورك مع صديقتي، وهي اميرة، ولكنها كانت فتاة مجنونة جداً، تزوجت قبل اعوام وانجبت طفلين، جلسنا في حالة ملل، ومن ثم خطر في بالنا أن نتصل على احدى الشركات، التي تؤجر الطائرات المروحية، وسألنا عن المكان، وذهبنا إلى هناك، استأجرنا هليوكبتر، وبدأنا نحلق في سماء نيويورك، والتقطنا الكثير من الصور، حينما عاد، اخبرته بما فعلنا، فجلس يضحك على جنوني، على طفولتي، وعلى سذاجتي ايضاً، وعلى السعادة المفرطة، التي عشتها في تلك اللحظة، حينها تساءلت، لو حدث لا سمح الله، وانتهت حياتي مع هذا الرجل، هل سأعود إلى ساره بكل سهولة، ام سااناظل حتى النهاية، لكي لا انكسر ولكي لا اتعب، ولكي لا اصاب بالسكتة القلبية أو الدماغية، كنت قلقة جداً، وحينما انتهت حياتي المخملية جداً، وعدت إلى قبيلتي "عائلتي"، التي اعبدها كما يعبد الرجل ارضه، وجدت انني تمكنت بكل شجاعة، من ان اعيد تفصيل حياتي، على مقاسي القديم، ونجحت، ولم يتبقى من تلك الحياة اللذيذة، سوى الكثير من الصور والذكريات.
والآن اتساءل هل سا أجتاز مراحل الألم العادية، مثلما تجاوزت ماهو اكبر منها، اظن انني سأفعل، ولكني اتمنى ان لا اعود ضعيفة مثل تلك الليلة.



















25 يونيو, 2006 01:38 م