رفيق طفولتي – شتاء 2006 زيورخ هل تذكر سعاد حسني!! في فيلم قديم لها، كانت ترتدي فستان لونه اصفر، وكانت تقفز من على الدرج قفزاً، كنت تشعر أنها تشع فرحاً، إن أجمل صورة بقيت لها، هي هذه الصورة، كنت اعلق صورتها، باللون الأبيض والأسود على خزانتي في المدرسة، كانت صورتها جميلة جداً، لم أجد احداً يفوقها جمالاً، قطعت صورتها، بعد أن اتفقت بالرأي مع أختي الصغيرة، إن رموشها الكثيفة، كانت تزيدها جمالاً، حتى بعد أن اكتشفت إن هذه الرموش التي سحرتني طويلا، لم تكن سوى "عيره" ولكني أحببت صورتها، وكنت اسعد بشغفي الشديد بشكلها، بشعرها الأسود القصير، بتدويرة وجهها، بحواجبها الدقيقة، لكن تبقى سيقانها السمراء، وفستانها الأصفر، هي صورتي القادمة للحياة!! احياناً حينما كنت اعبر حالة من القلق والتشتت، كان ذلك في بداية عمر الرابعة عشر، كنت اطلق قدمي للريح مع إحدى الأصدقاء، نقطع الطريق حتى نصل إلى أكسفورد، واطلب منه، أن يغني لي أغنية بوب مارلي " لا توجد امرأة قادرة على البكاء" هذه الأغنية تؤثر بي بشكل شخصي جداً، أحببتها رغم إن بوب مارلي لا يمت لجيلي بصلة، ومات حتى قبل أن أولد!! هناك ثمة أشياء تؤثر بنا بشكل لا نعرف كيف لنا أن نتجاهله، ليلة البارحة، لم استطع أن أنام حتى ولو لنصف ثانية، ظللت أتألم وأتأوه، كنت قد سقطت على كتفي وأنا أتزلج، ولم أشعر بألم الإصابة إلا بعد يوم، حيث اكتشفت مدى زرقتها في كتفي، وفوجعت وانتابتني حالة شديدة من الحزن، لم تسافر أمي معنا، وذلك لأٍسباب أمومية جداً "إحدى أخوتي" أنجبت وأصرت على أن تبقى معها، شعرت قبل أيام إنني افتقدها بشكل كبير، اكبر مما كنت أتخيل أو أتصور، رغم إنني لا أراها إلا دقائق، حيث تكون هي مشغولة بأمورها الخاصة، وأنا في عملي أو مع صديقاتي، لكنها تلعب دوراً كبيراً في إدارة البيت، للدرجة التي من الممكن أن تتوقف الحياة بأكملها في بيتنا لو سافرت لعدة أيام، كل شيء يتوقف عن النبض، كل شي.. كل شي، حتى نباح "بوتشي" يتشكل بلون آخر، يظل صوت نباحه حزيناً، وهو يركض في أنحاء البيت، يحاول أن يشتم رائحة عطرها المميزة جداً، وصوت خرخشة أساورها الذهبية!! بعد معالجة سريعة لكتفي، وربطها، وبعد بكاء طويل في الحمام، غرقت في سريري، أتشارك مع أخي الصغير، نفس الغرفة، لاعتبارات كثيرة، وجدته شخصية جميلة جداً لم أكن أتصورها، لا أراه إلا كل عام شهراً واحداً فقط، يقضيه ما أن يعود من أمريكا، مع أصدقائه القدامى، ذات مره التقيته على درج البيت، تعمدت أن اخبطه في كتفه، قلت له، عفواً هل أنت من أهل البيت؟؟ رسمت على وجهي الجدية، حتى غرق في الضحك، كنت أريد أن أصل إليه رسالة، أنه حينما يعود عليه أن يعود لنا نحن، لا لأصدقائه فقط!! ظل أخي يواسيني طيلة النهار، ويحاول بكل الطرق مداعبتي، ولم يتوقف عن الكلام، وكنت كل ما أريده منه هو شخصياً، أن يترك لي الغرفة، ويتوقف عن الكلام معي، فهو يمشى معي كأنه ظلي، وتصورته زوجي وليس أخي، هو بذلك يقنع نفسه، إن وجوده المتكرر معي، يمثل أكبر إحساس تجاهي بمعنى الأخوة، ولأني تعلمت أن أكون صبوره، فقد أخرجت مخزون الصبر المتراكم معي منذ الغربة الأولى، ومنذ العودة إلى الوطن، لتكتمل الصورة الخاصة لساره، فقد كنت صبوره مع أخي الصغير، أو حامي الديار كما نسميه نحن البنات في قبيلتي، فقد كان يخرج معي حينما أقرر أن انفصل عن والدي وبقية إخوتي، ليختار معي نفس الفيلم ونفس المطعم، ونفس المقهى، ولا ارفض، عاملته كرجل يكبرني بألف عام، مما زاد رغبته في المواصلة في تعقب ظلي، لديه قصص لا تنتهي، كنت اتركه يتكلم، وعقلي يعمل بإتجاه آخر، أحاول أن ارتكز على بعض جمله، لأنه يعاود سؤالي عدة مرات، عن حديثه الطويل، فأحتار أي جزء استطيع أن اجعله وسيلة نقاش!!!!!! ارتفعت درجة حرارتي، أصبت بسخونة شديدة، أصبحت لا اشعر بما ينزلق من أنفي، قاومت بكائي للمرة الثانية، وبدأت اشعر إنني افتقد كل شي، وطني، بيتنا، أمي، خادمات البيت، صوت سائقي المميز، هدوئه القاتل، قطط البيت، "بوتشي"، أحذيتي الكثيرة، أساور أمي، الكرسي الذي لم يصلح حتى الآن في حديقة البيت، سماء صديقاتي، جنون خوخة الذي يلون قلبي، موخة ابن أختي الصغير، البلوتوث الذي يطاردك حتى وأنت تقف عند أشارة المرور، مكتبي الدافئ، الأيميلات الصباحية، أغاني فيروز، حالة الطقس التي نتعقبها بلا هدف، أسماء الشوارع، المحلات التجارية، اكتشافنا لمطاعم جديدة كل مرة نعبر بها الجسر متجهين إلى البحرين، ولعي الشديد بالنظارات الشمسية، سينما السيف بالبحرين، كل ذلك خرج دفعة واحدة، في إحساسي المتوقد بالوحشة من المرض الذي حل بي!!
.
.
الخميس, 22 يونيو, 2006
إلى أسامه بن محفوظ
أضف تعليقا
اضيف في 16 نوفمبر, 2006 11:55 ص , من قبل بـحـر (غــيــور) يـنـي
من البحرين
من البحرين

كاتبة ومترجمةٌ وناقدة. ثلاثُ صفات نادرًا ما تتمايز بها الكاتبات في الجيل الحالي. خاصة إذا ما قُدّر لصاحبتها أن تعطي الثلاث إخلاصا مضاعفًا ذا ذائقة استثنائية. وانتي تعطينهم حقهم جميعا وهذا مايميزكي عن غيرك ولذالك هناك جمال وروعه في كتابتك , وهذا شي لا تتميز به الكثير من الكاتبات, ولكي مني شكري وتقديري...
بحريني غيور
اضيف في 20 نوفمبر, 2006 03:55 م , من قبل قمة الفن
من الأردن
من الأردن

مدونه رائعه
ادعوك لزيارة
مدونتي والتعليق على لوحاتي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.











من المملكة العربية السعودية
شتـاء 2006 اخرج صفه من صفات الكاتبه
وهي الحنين والوفاء لقبيلتها واصدقائها
اتمتع دائما في قرأتي للأحداث بطريقتك
00000
لم تفقدي مسجاتك في زيورخ ؟
بنــدر