
أتذكر جيداً ذلك اليوم الذي غضبت منى فيه أشد الغضب، ولم أكن أرى سبباً لغضبك، لم أجد على الإطلاق، ما يسبب كل هذا الغضب الحانق الذي تملكك وقتها، ولكني في ذلك اليوم، والذي أقسمت فيه أن تكون هذه، هي آخر زياراتك إلى لندن، وأنه لو كانت نهاية حياتك في كفه، وزيارتك إليها في كفه أخرى، لتختاري وبلا أي تردد، أن تموتي على أن تعاودي المجئ إلى لندن، وكنت أعرف لماذا تغضب النساء، ولكني لم أكن أفهم، لماذا كنت تتألمين أيتها العفريتة الصغيرة، كل هذا الألم الشنيع، الذي كاد أن يدمرني في تلك الليلة، والتي كانت هي آخر لياليك معي.
لم يكن هناك ما أفكر فيه ليلتها، سوى غضبك المعلن من تحديدك لهوية العلاقة، دعيني أقول لك شيئاً، حينما أحتواني كل ذلك التفكير، لم يكن لقلة ما كان هناك، وربما أنت أدرى مني بمسألة حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقي، عشرات الأشياء كان عليّ أن أفكر بها، كل شئ صاحب تعارفنا، كل حادثة صغيرة وقعت في أثنائه، كل كلمة قلناها، وكل ابتسامة أبتسم، كانت قد أصبحت شيئاً مستقلاً بذاته، عليّ أن أفكر فيه واخرج منه باحتمالات، ومع ذلك ظللت عملياً بلا تفكير، فالاحتمالات حين تتقارب، ولا يستطيع الإنسان أن يرجّح أحداها على الآخر، تعفى من التفكير، ويفلس العقل، فعقولنا تنشط فقط إذا كان هناك أمل، وتساوي الاحتمالات لا يدعو لليأس، ولكنه أيضاً لا يبقى مكاناً للأمل.
وتذكرت ألمك في تلك الليلة، كانت ملامح وجهك التي أعبدها، أكثر من الأرض التي ولدت عليها، قد أثارت في نفسي قيماً عميقة مقدّسة، لا يمكن أن تمحى أو تزول، وتسأليني قبيل عدة أيام، "لماذا يا محمد إصرارك وعنادك على الارتباط بي رغم كل المخاطر، ورغم كل الضغوط" كنت تتساءلين وصوتك ملئ بكل ما يشتهيه الأطفال، بندق ولوز ولوح من الشوكلا المثلج، لا أبالغ حينما أقول لك، إنني حينما عدت تلك الليلة إلى بيتي، كانت قد انتابتني حالة رثاء للنفس، أكاد أبكي معها، لا لما حدث ولا لكل ذلك الحديث، الذي ظل عالقاً في ذاكرتي، ولكن لأني كنت خائفاً، برغم كل ما فعلته تجاهك، أن تكون فكرتك عن الحب أيتها الصغيرة، مختلفة تماماً عن فكرتي عنه، ربما أنت تعتقدين أني أستعمل كلمة الحب، لأعني به رغبة جسدية تراودني تجاهك، ولم تعلمي في تصورك ذاك، أية أشباح مخيفة تقف عقبة، في طريق مثل ذلك التفكير لدّي، وشعرت بالضيق المجنون الذي تحفل به روحي، والذي يصّفر في عقلي، ويهيب بي أن أخنق أحداً أو يخنقني أحد ما، أو إن لم أجد هذا الأحد، أخنق نفسي، أقبض عليها بيدين من حديد، وأظل أضغط بها حتى يحتبس إلى الأبد، كل مافي صدري من غيظ، أشد سواداً من الظلام الحالك الهالك، الرابض فوق صدر لندن هذه الليلة!!
وصلت البيت، وصعدت الأسانسير بلا روح، ولم يضايقني نباح كلبي، أو أني فتشت في جيبي لأعثر على المفتاح، قبل وصولي إلى باب البيت الذي تحبيه فلم أجده، فلأكن قد تركت الباب مفتوحاً، وهذا لا يحدث، أو فلتكن قد ضاعت المفاتيح وفقدت، ماذا يمكن أن يحدث أسخف وأسوأ مما حدث؟ ووجدت الباب مغلقاً، ولحظتها فقط بدأت أحس بالضيق، حاولت فتح الباب بقوة، ولكن لدهشتي وجدت يداً تفتحه من الداخل، كنت قد قبلت رغبة على عاشور كي يقيم لبضعة أيام في بيتي، أظنك تعرفين الدكتور علي المحاضر في الأدب المقارن، لا بأس عليك أيتها الصغيرة، لقد حشرت رأسك بالآف الشخصيات التي تملئ حياتي، ونقلتهم إلى دفتر عناوينك بلا وعي مني أو منك، ولابد أنك الآن تلعنيني في سرك!!
سارة في ذلك اليوم بالذات، كم لعنت نفسي، وأنتبّها للشعور الحقير الذي راودني بعد انتهاء على عاشور، من حكاية ما صادفه لكي يلقاني، لم أكن أريد رؤية أحد في تلك الليلة، أو الحديث مع أحد، ولو كان أحب أصدقائي لي، وأنتِ تعرفين مقدار علي، أو غيره من الأصدقاء الذين يشاطروني حياتي، لم يعد في نفسي قريب أو بعيد، أنت في ناحية والعالم كله في ناحية أخرى، وكل طاقتي على الحب والاهتمام كانت موجهة إليكِ، تساءل "علي" وهو يرى كل القلق الشارد من نظرات عيني، حاولت أن أتملص من الإجابة على أسئلته، أعطيته مائة إجابة وخيرته بكل لطف الرجال، حينما يذبون في العشق والحب، أن يختار ما يناسبه أو يظن أنها تناسبني، ربت على كتفي وهو الرجل الذي يقاربني في عمري الخمسيني، وقال لي مفردتين يا سارة، بعدهما قررت أن لا أكتفي فقط بحبك، وإن عليّ أن أحتويك وأن أهبك تاريخ عمري، وأسمي، وهويتي، حتى وأن لم يبقى لي شئ يذكر، قال لي : ألا زلت مفتوناً بهذه العفريته الصغيرة، عليك بها كي تكون لك..!!
وفطنت للحقيقة إذاً عليّ أن احتفظ بك معي إلى للأبد، مهما بلغت حجم المخاطرة، لهذا لا تسألني يا سارة لماذا لا أزال مصراً على الارتباط بك ولو بعد حين، حتى وبعد كل ما حدث في ليلة الأربعاء، لا تتصور كم آلمتني عبارات والدك لي، وكلمته بالذات: والله أنت رجل أناني!
تلك الأشياء المتباعدة التي كنت تبدو لي قليلة الاهتمام، كانت تدق فوق رأسي بعنف، أحياناً أتفه الأشياء هي التي تدق فوق رؤوسنا، وتأخذ الأهمية الكبرى، في لحظات كتلك التي عشتها قبل أيام، وشعرت حينها بالخجل، وبأني لا أسوى شيئاً، وبأني أنا الرجل الذي لم تقال أمامه، بكل هذه القسوة وهذا العنف كلمة لا، استطعت أن أتقبلها وأنا أفرد صدري للريح.
قبل أسبوعين حينما كنت مريضة، كنت أسمع صوت وهنك عبر الهاتف، وتذكرت ضجرك ودلالك المفرط، وكم كنت في كثير من الأحيان، أتساءل إلى متى سوف املك الصبر على كل ما تفعلينه معي!! كنت في كثير من الأحيان، أشعر أني رجل قليل الحيلة، فأنا لا بد أن أكون أكثر من رجل، مسرحي، سياسي، بائع زهور في كوفنت جاردن، وبائع لعب، وآيس كريم وأحياناً بائع أحذية، وسائق خاص ومبرمج كمبيوتر، وكاتب صحفي وأديب، ورجل عادي مثل كل الرجال، كنت أحاول أن أجد نفسي رجلاً واحداً، ولكنك كنت بكل دهشتك كامرأة مفرطة بالأنوثة والأستثنائية، مثل قصائد نزار، تحصلين مني على كل مبتغاك، فأكون أنا كل الرجال الذين تريدينهم، وحينما يتلاشى إلى مسمعي صوتك وأنت مريضة، كنت امرأة وطفلة في آن واحد، كنتِ يا سارة امرأة حزينة جداً، ضعيفة جداً جداً، مكسورة لأقصى ما ينبغى، وكنت تتألمين وكنتُ أشعر أنا بكل هذا الألم الذي كان يسحقك، وبكيت لمرضك، أنا الرجل الذي حينما مشى في جنازته لم تذرف منه ولا دمعة واحدة، قهراً أو ذلاً، ابكي وأنت ترددين أمامي قولك: أنا مريضة يامحمد.. أكاد أن أموت!!
كان تعبك صهيلاً مالحاً، فارس خاض كل معاركه ولم يبقى ليه سوى الاستسلام، لهذا لا تعرفي كم ندمت على كل ما فكرت به، وربما أكون مثلما قال لي والدك، أني رجل أناني.. كنت كل ما أفكر به، أن تكوني بمثل عمري، وأن تقبلي بأن أكون رجلاً واحداً لك، لا عدة رجال، في أيام مرضك، كنت دائم البحث عن صورك، كنت أخاف من كلماتك المجنونة بخصوص الموت، روعني صوتك، روعني ألمك أيتها الصغيرة، حزنك الذي بلغ الأرض طولاً، كدت أن أقول لك عودي لدلالك وضجرك وولعك بشتى أشكال الحياة، كنت قبل أيام بصحبة صديقي زاهي وأبنه الذي بدا يكبر مثلك، عمره الآن ثلاثة عشر عاماً، كان قد قرر أن نسير على قدمينا حينما كنت في زيارة خاطفة لعائلته، شعرتُ في لحظة واحدة، بأني بحاجة إلى صديق رب أسرة، ربما كنت أريد أن أجرّب هل سأصلح للدور أم لا!!
وذهبنا تمتطي أقدامنا في ساعة شبه متأخرة، في ميدان ليستر، حينها لفني تساؤل غريب، لقد رأيتك معي ومع زاهي، أتتذكرين عدد الأوقات الطويلة، الذي ظللنا نتحدث بها، ونحن نلف في ساعات طويلة هذا الميدان، فيصل وعبدالرحمن وصديقك التعس منير العويمري، لقد حلقت بداخلي تساؤلات حمقاء، ماذا أقول عنها ولها، يخّيل لي يا سارة، أننا حينما نتحرك وحينما نعمل، وحين نأكل وحين نصر على بقاء مشاعرنا بذات توقدها، وحين نقرأ كتاباً أو نشاهد فيلماً أو نسترخي ونحلم، يخيل إليّ أننا نفعل هذا كله، لكي نبحث عن شيء وراء هذا كله، شئ لا نجده في الطعام فنبحث عنه في الكتب، ولا نجده في الكتب، فنبحث عنه في الصداقة والعمل، ولا نجده في العمل فنبحث عنه في الأحلام.
شئ نؤمن أنه موجود، ولكننا لا نعرف ماهو وكيف نجده، ولهذا تستمرعملية بحثنا عن هذا الشئ المجهول، ويستمر أملنا في العثور عليه، وبالاختصار نستمر نحيا، ويحدث في أحيان قليلة أن يعثر الواحد منا على هواية مثلاً، على قضية يؤمن بها، على زوجة، وإذا به يدرك أنها الشئ الذي كان يبحث عنه طوال حياته، وقد يدرك بعد فترة أنه خدع، وأنه لا يزال عليه أن يبحث ويكد، ولكنه ما أن يعثر على شئ كهذا، حتى يصبح محور حياته، وهدفها الأول.
وأنا يا سارة قد بدأت أدرك أنك قد بلورتي كل أهدافي في الحياة، وقد أسخر الآن من نفسي، ولكني مؤمن حقيقة أنك أكبر حتى من أن تكوني عماد حياتي، وهدفها الأول، إنك أروع وأسمى وأعظم من أن تصبحي فقط، مجرد هذا الهدف، ولو كان الهدف هدف حياتي وكل ما أملك.
إذا عليك أن تكفي من الآن تساؤلاتك الكثيرة، لماذا فقط الآن قررت أن أهجر عزوبيتي القديمة؟ وأني لم أقرر أن أهجرها لأي امرأة سواك، فعليك أن تعرفي ذلك.
سارة الجميع هنا بلا استثناء يسألون عنك، خاصة بعد الأزمة الصحية التي عبرتي بها، قرأت رسالتك التي أرسلتها لصديقي عبدالرحمن، كانت في غاية الجمال والبهجة، المشكلة أن علي أن أكون معك رجلاً يضع قوته خارج بيته، وهذا مالا أطيقه معك، أخاف عليك كثيراً من عصبيتي، ومن واقعيتي ومن الكثير من الأمور، سوف نتحدث في كل ذلك حينما أراكِ، حالما تحط طائرتي في مملكة البحرين خلال الأسبوع القادم..
تقبلي كل تحاييا الطيبة..
الرجل الخمسيني..
























29 ديسمبر, 2006 11:18 ص