
كثيراً ما أخذتني تساؤلاتي بعيداً، بعد أن تشكر النساء أمي، لإتمامهن عملية القياسات المطلوبة، على كتفي وظهري وطولي، ويغادرنّ المحل، إذاً كانت مدينتي تزخر بكل هؤلاء الفتيات اللاتي لا أعرفهن، لكنهن يملكن قياساتي، وربما عمري ونهاراتي التقية، وتساءلت كثيراً عن ملامحهن، ولماذا لم يأتين إلى السوق، كما تفعل أمي معي، لتجعلني أختار معها، كل مايمت لعالم جسدي بصلة، وأتسلى معها في أحاديث طويلة، ألوك أحاديثها ونصف قصصها التي لا يمكنني سماعها، فأنا مشغولة بإستراق السمع، لكل الأصوات التي تخرج من البائعين، بتخيل السكر وسنابل القمح، بتخيل عالمي حينما أكبر، النساء بعباءاتهن المختلفة، لهجاتهن التي تجعلني أحرز كثيراً، من أي القرى أتو، ومن أي المشاوير جاءوا، عبر الباص الحكومي، أو التاكسي الأبيض، أم بسيارة يقودها سائق، يسرّح شعره، ويضع الزيت فيه، ويرتدي قميصاً مقلماً، أنظر إلى أقدام العابرين والمارين بالسوق، إلى الشباب المتصعلكين، وأسأل بخبث طفلة تريد أن تكبر اليوم قبل الغد، متى سيعاكسني هؤلاء، ومن سأختار؟ الطويل ذو الشعر الكستنائي الذي يخرج شعره من تحت شماغه الأحمر، أم الأبيض السمين ذو الغمازات حاسر الشعر، مشغولة أنا بالزينة التي تعلق دائماً فوق واجهات المحلات، أو بين الرفوف، وأمي مشغولة بالحديث، تتكلم عن كل شيء تم حدوثة في البيت، ولا أفهم إذا كانت أمي تعي أن في عمري الثاني عشر، ولا أملك هوس النساء في بلع كل أحاديث الجارات ومشاكل الخادمات، أم أنها كانت تبحث عن صديقة لا تبوح ابدأ بأسرارها، أذكر أسواق مدينتي فقط في الشتاء، في الصيف لا أملك أي ذاكرة عنها، ربما لأني كنت أجمع كل أغراضي الصيفية في حقيبة، وأنطلق تجاه عالماً آخر، لنساء شقروات ورجال شفاههم مثل نساءهم، بطعم التوت البري، ويلبسون البناطلين القصيرة، ويسبحون في البحرضاحكين مشرعين صدورهم، دون قلق رجال القبيلة من الضحك، ومن إثم التورط في البهجة مع نساءهم، يركبون السيارات السريعة، ويرتادون المقاهي ويأكلون الباستا دون النظر إلى نساء أخريات، ولا يخافون برد المطر!!
أنتهي من تبديل ملابسي في الغرفة الصغيرة في المحل الكبير، المرايا تجعلني في وضع آخر، كلما أبدلت قميص بآخر، تخرج كتفاي، فتتناثر القصص ووجوه تزورني في أسواق مدينتي، هل كل الصبايا مثلي، هل جميعهن في عمري، إذاً لما لا أراهنّ، ولماذا كنت أنا دائماً محط الأختيار.
وأنا الآن أقيس الناس بقلبي.. اكتشفت أن قلبي محط لكل القمصان والفساتين والوجوه التي أعرفها ولا أعرفها..






























20 ديسمبر, 2006 10:31 ص