
حينما وصلنا إلى محطة القطار، حملنا حقائبنا وصعدنا السلم الصغير، كان الجميع قد سبقنا في الوصول إلى الأعلى، لم يتبقى سوانا، أنا ونور، دفعنا حقائبنا، عبر وضع يورو معدني وأستلينا أولى العربات، وضعنا حقائبنا فوقها، كانت حقيبتي مصنوعة من المعدن، موديل تعبت في الحصول عليه، لم يكن وقتها متوفراً في أسواقنا السعودية، فيما كانت حقيبة نور داكنة الزرقة، تعمدنا اختيار شنط مختلفة الألوان حتى لا نتعب في تميزها، خاصة إننا سنتنقل عبر أكثر من محطة، حينما صعدنا إلى أعلى، كان يوسف الشاب المغربي، الذي جاء عن طريق صديقة قريبة منا، ينتظرنا في ساحة المحطة، حملنا الحقائب عبر العربة، ووجدنا أن الأمر صعب، والوقت لا يزال مبكراً، الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً بتوقيت فرنسا.
ارتدي جاكيت جينز أزرق، اضطررت لخلعة، وأنا أشعر بإرهاق لا يطاق، أتصبب عرقاً، كان الطقس متقلب بشكل لا يمكنك توقعه، سألنا يوسف إذا كنا قد أحضرنا معنا بعض الثياب الثقيلة أم لا؟ ردت عليه نور وهي تمضغ العلكة، وتكتب أشياء لا أعرفها، في جهازها الإلكتروني الصغير الذي تحمله معها، إن الطقس يبدو ساخناً،ً فلماذا الحرص على أن نحضر ملابس ثقيلة، كما أننا لن نجلس طويلاً في هذه المدينة، حاول يوسف أن يحدثنا بلغة عربية أقرب إلى اللهجة المصرية، حتى يمكننا أن نفهم لهجته المغاربية الصعبة، أخبرنا قائلا: إن البارحة سقط مطراً غزيراً، وإن الجو هنا في المدينة متقلب لم يثبت حتى الآن على درجة معينة، خاصة إننا لا نزال في شهر يونيو. حاولت مساعدة يوسف في حمله لشنطنا، ولكنه دفعني برفق، وأصر على أن يدفع العربة لوحده، توقفنا عند كشك صغير في المحطة، اشتريت كرت تلفون واحد، واشترت نور ولاعة رغم أنها لا تدخن، ولكنها أعجبت بالرسوم المرسومة عليها، أخذتها كتذكار ستبقيه معها طيلة حياتها، تتذكر هذا المشوار وهذه الرحلة التي قطعناها، من لندن وحتى باريس وصولاً إلى "ييغ" هذه المدينة الجميلة.
المحطة واسعة بعض الشي، وستجد بعض المطاعم الجميلة، وأكشاش للجرائد والمجلات والشوكلا وبعض الأشياء الصغيرة التي يحتاجها أي مسافر، بدت مساحة المحطة منظمة وأغلب المسافرين والموجودين بها، فرنسيين لم نجد أي تواجد عربي.
كان قلبي يدق، متعبة ومرهقة، وربما خائفة، ولكني كنت أجد تجاهل وبرود نور يعطيني بعض الثقة، ولكني أعود وأقول ربما لأني سعودية الأصل، سيكون هذا الخوف يلازمني طيلة حياتي، الخوف من المغامرة وحيدة، من غير وجود العائلة، يجعلني حريصة بشكل لا يمكن لأي أحد تصوره، حرصت على وضع إيشارب بطريقة فرنسية على رأسي، إيشارب ملون وجميل، ربطته من الخلف، وارتديت قميص حريري أبيض، ذو أكمام طويلة، أما نور فكانت حره كعادتها، لم تفكر يوماً أنها لو قامت بتغطية شعرها، من الممكن أن يغير الكثير من شخصيتها، فهي تحب نفسها كما هي، ولا تفكر بكل العقد التي لم تطرحها علي ولو لمرة واحدة، في حين إني وجدت ولأني أسافر للمرة العاشرة بمفردي ودون وجود القبيلة معي، يجعلني أفكر بوضع هذا الأيشارب الجميل ذو الألوان المبهجة، والذي أعجب الكثيرين من الفرنسيين وخاصة الفرنسيات، وسألني عنه بعد ذلك!!
عقدي كثيرة، أكاد أحصيها، وأعرفها جيداً، وأستطيع أن افرق ماهو موجود بشخصيتي، وماهو متمكن مني رغماً عني، كقائد يسوقني تجاه حياة لا أحبها، إحساسي بالخوف يتعاظم بعض الشي، يوسف شاب مهذب، يرتدي تي شيرت أسود، غير مكوي، كتبت عليه أرقام باللون الأبيض، مهمل إلى حد ما، شعره كعادة معظم المغاربة، أكرت ويميل إلى الطول، كان يتكلم بطريقة جيدة، تستطيع أن تكتشف سريعاً إن يوسف شاب غير حكواتي بالمرة، وأنه يفكر طيلة حديثه، ويقرر إذا كان مايقوله جيد، أم انه لا يتناسب مع الوضع بشكل عام.
نور لم تبدي إنزعاجاً من أي شي، كانت مرتاحه، ترتدي نظارة جميلة أعطتها طابعاً مختلفاً، أشترتها من أحدى المحلات التي قمنا بزيارتها في لندن، كنت قلقة أكثر منها، أتحدث كثيراً مع يوسف، وأحاول أن أعطيه انطباعاً معيناً وخاصاً، أظن إن هذه المشكلة التي أعاني منها، جميع فتيات قبيلتي يعانين منها، نهتم كثيراً بوجهة نظر الآخرين تجاهنا، حتى شديدي الثقة في النفس أمثالي، نحرص على إبراز شخصياتنا، ورسم أو تأطير هويتنا أكثر من اللازم، بالرغم إن واحدة مثل نور فهي لا يمكنها بأي حال أن تقوم بمثل ما أقوم به، أو حتى تقوم بالحرص على أن تعطي يوسف بقشيشاً أكثر من المعقول، أنا أفكر بما هو آتي كثيراً، حتى لو أني لن التقي بيوسف في وقت آخر، الأهم عندي أن أعطي انطباعاً خاصاً لسارة الجمل له، إنما نور فهي لا تهتم ماذا سيقول عنها يوسف، أو ماذا سيعتقد، أو بماذا سيفكر، أو هل يستحق بقشيشاً كبيراً أو لا يستحقه من الأصل، فهو لو قال لها، دعي الحساب لوقت آخر، ستسحب يدها، وتضع النقود في حقيبتها، إنها تتعامل مع الأمور كما هي، ببساطة ودون تعقيد، ودون حتى تفكير إذا ماكان الحديث مجاملة، أم أنه يقصد كل كلمة، أو كما تراها من وجهة نظرها، سواءً كانت تعجب الآخرين أم لا!!
في النهاية إن مثل هذه الأمور لا تمثل لها أي قيمة، ولا تسبب لها أي حرج من أي نوع!
تختلف كثيراً عني.. لم نكن نتفق كثيراً خاصة في مسألة فهمنا لطبيعة الآخرين، تجد أن الحياة سهلة وبسيطة، وأن علينا أن لا نتعامل مع الآخرين، بأكثر أهمية، ولو سألتها لماذا لم تصري على إعطائه أجرته، ستجيبك بهدوء يرفع من درجة حرارتك، ألم يقل هو خلي الحساب بعدين! إذاً هو يعرف متى يأخذ الحساب ومتى يتخلص منه؟ وأنا لن أزعجه مطلقاً بإلحاحي كما تفعلين!
حينما صعدت إلى غرفتي مع حامل الحقائب، وقد كان يرتدي بدلة حمراء وقميص أبيض، شاب صغير العمر، حتى يخيل لك، إنك ستسأله عن هوية والده أو والدته، لتتأكد أنهم قد سمحوا لأبنهم المراهق الصغير، لكي يعمل حمالاً في هذا الفندق الصغير.
لم أعتد أن اسكن في فنادق صغيرة، ولكني أقوم بالتجربة الآن، وأسافر بصحبة صديقتي كي أتعلم أشياء لا تقوم بها عائلتي، كأن اسكن في فندق ثلاثة نجوم أو أربعة نجوم، إنني على استعداد أن أتخلى عن أشياء كثيرة في مقابل استدراك فهمي لكثير من الأمور، وللأشياء التي لا يمكن أن أراها في يوم من الأيام أنها تليق بي، أو أنني من الممكن أن أقوم بممارستها وباختياري الشخصي. إن سكني في فندق صغير، أظنها خطوة كبيرة في حياتي، جاءت تجربة الفندق بعد عدة تجارب سابقة لي، تخليت فيها عن السكن في فنادق فخمة، وبعدة نجوم لا أستطيع عدها، حينما أسافر برفقة الصديقات، لا برفقة القبيلة، وليس معنى ذلك أني سأظل طيلة حياتي اسكن في فنادق رخيصة وزهيدة الثمن، ولكني كنت أريد ممارسة التجربة، لا أن أجبر عليها، كان علي أن أجرب كل شي، كل شي، حتى تكون لدي القدرة على الفهم، وعلى تصنيف الأشياء، وعلى الإحساس بقيمة الأشياء التي املكها.
أول شي قمت به ما أن أشرعت في الدخول إلى الغرفة، هو التأكد من نظافة الحمام ومساحته، تهمني مساحته، في حين لم تكن نور تجد أي رغبة حتى بمعرفة موقع الفندق، أو عدد نجومه أو نوع السرير الذي ستنام عليه. أخبرنا يوسف أنها سيتركنا وسيأتي على موعد الغداء، شدّد علينا إننا إذا أردنا أن نتناول الغداء، فعلينا أن نجهز قبل الساعة الثانية بعد الظهر، لأن المطاعم ستغلق لتفتح أبوابها في الخامسة، وذلك لتناول وجبة العشاء، كان حريصاً على أن لا يتركنا جوعى، أخبرته إنني سأتصل به من الكرت الذي حصلنا عليه من كشك المحطة الأنيق.
ما أن اطمأننت على وجودي في المدينة الفرنسية "ييغ"، وهي مدينة صغيرة ورائعة للغاية، وتبعد عن "كان" حوالي النصف ساعة، حتى اتصلت على والدتي في السعودية، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر وأربعين دقيقة ظهراًً، خمنت أنها تجلس في الصالون العائلي تشرب قهوتها وحيدة ، أو برفقة إحدى خادمات البيت، تتابع مسلسلها الصباحي، أو أنها تتحدث في الهاتف، لوالدتي روتين جميل، مبهج، وأظنها تتسلى به كثيراً، اتصلت عليها، واطمأننت على أحوالها، حاولت أن ابدوا في حالة منسجمة مع نفسي أكثر، أن لا اظهر لها تعبي على الإطلاق، كانت مكالمة قصيرة وسريعة، لم أعطي والدتي وقتاً حتى لا تتحسس طعم الخوف في صوتي، أو بالذنب المعتاد معها لكونها سمحت لي بالسفر وحيدة برفقة صديقتي. أظهرت لها شجاعة في التأكيد كعادتي على بعض الحروف التي تخرج من فمي، في المقابل لكل ذلك، لم أشأ أن اسأل نور، عن الوقت الذي ستكلم به عائلتها، فوجودها بهذا الارتياح النفسي الكبير، وعدم اكتراثها بالعالم الساخن حولها، جعلني أتأكد أنها ليست بحاجة لكي تتصل على عائلتها، وطمأنتهم على وضعها النفسي.
في الواحدة خرجنا، تصعلكنا في الشوارع، تغدينا، اكتشفنا المدينة، وأمضينا وقتاً طويلاً، حتى عدنا في الساعة السابعة والنصف إلى الفندق، وأمضينا ساعة ونصف الساعة، ونحن نبتهج لهذا الوقت الرائع الذي قضيناه في هذه المدينة. قبل العاشرة مساءًً حضر إلينا يوسف، مرتدياً قميصاً جميلاً بلون العشب، وبنطال مرتب ويبدو أنه جديد، ظل شعره كما هو، رش بعض العطور على جسده، يمكنك أن تجد الفرق بين يوسف الذي استقبلنا صباحاً في محطة القطار، وبين يوسف الذي سيقلنا إلى بيت إحدى الأصدقاء في "كان" كي يحتفلوا بنا.
ساق بنا يوسف حتى خرجنا عن المدينة، وأنطلقنا إلى "كان" وفي خلال نصف ساعة لا أكثر، كنا هناك في بيت الصديق، كانت البيوت جميلة ومرتبه وشديدة الهدوء، هناك استقبلنا الصديق وبرفقة زوجته، وبعض أصدقائهم من الشباب، أمضينا وقتاً صيفياً رائعاًً، الأسئلة الكثيرة التي تطرح علينا، والأشياء التي تجدها غير مشتركة بينك وبين هؤلاء، تجعلك تشعر بمتعة كبيرة، وأنت تجيب بطريقة عفوية ومنظمة، عن كل المغالطات التي تشعر بأن من واجبك تصحيحها، التقطت ربة البيت الكثير من الصور لي، وجدتني فتاة جميلة، أعجبت كثيراً بالأيشارب الجميل الذي طوقت به رأسي، احتسيت الشاي المغربي لديهم، استمتعت برفقة أغاني الشاب "مامي" الذي حرص صاحب الدعوة على أن لا يشعرنا إننا في فرنسا، وإنما في المغرب، كما هو وطنه، وحينما أبديت إعجابي بصوت مامي، أخبرني أن السي دي، أعطاه ابنه الرشيد هدية له في احتفالات عيد الأب، التي تحرص فرنسا عليها.
الشي الذي اكتشفته أكثر من ذي قبل، إننا حينما قدمنا أنفسنا لهذه العائلة الجميلة أنا ونور، قلت وأنا اعرف بنفسي للجميع، سارة ليل الجمل من السعودية، ولكن نورهان أو نور كما أعتدنا تسميتها، قدمت نفسها بطريقة مغايرة تماماً عني، إذا أنها اكتفت بذكر اسمها وأسم والدها، في حين أني أجد أن ذكر اسم قبيلتي هو تشريف لي وللداعي، وهو يعبر أيضاً عن شعوري العميق بانتمائي الشديد لعائلتي، وبإحساسي المتوحد بنفسي، وأضافت نور أنا من الصومال ولكني أحمل الجنسية السعودية. ليست وحدها نور من تؤكد على هويتها الأولى، إنما معظم الذين يعيشون في وطني، لديهم نفس نزعة نور بأن انتمائهم الأساسي، للوطن الأول وليس للوطن الذي أعطاهم البيت والطعام وجواز السفر، رغم إن نور لا تعرف الصومال، ولا تعرف كيف ترسم خارطتها أو حتى حدودها، كما أن والدها من مواليد السعودية، رغم ذلك فهي مثل كل الناس الذين التقيت بهم طيلة حياتي، يؤكدون على هويتهم الأولى، وبعدها يخبرونك بشي من اللامبالاة، أنهم يحملون الهوية الأخرى، إذا فهم مزدوجون في التعامل في الشعور المختلف، الذي أجده يختلف عن صديقتي زين وعالية وريم، إذ إننا نؤكد على جنسيتنا رغم كل ماحدث وتغير بعد الحادي عشر من سبتمبر، والشعور بالخوف الذي واجهنا طيلة تلك المرحلة المتغيرة، وإننا لا نتصور أن تكون لنا هوية مزدوجة، كما هي نور أو غيرها من الفتيات اللاتي ولدن في وطني، ولكن أصولهن يمتد ليكن فلسطينيات أو من جنسيات أخرى!
نور هي أول فتاة التقي بها وأعرف أنها صومالية الأصل، وهي أول فتاة تعلمني بطريقة مباشرة، أن في وطني مجموعة من الجنسيات المختلفة، والحاصلة على جنسية وطني، حينما تعرفت عليها ذات مرة، مدت يدها لتسلم علي لتقول لي بكثير من البهاء لم أفهمه حينها.
- نورهان ويدعوني نور، صومالية الأصل..
- أأنتِ صومالية؟
- صومالية الأصل ولكني أحمل الجنسية السعودية وكذلك جديّ!!
هكذا أخبرتني لتؤكد لي أن الجنسية لا تمتد فقط لوالدها وإنما ايضاً لجدها. رغم أني لم اطلب منها تفسير لكي تقدم لي نفسها على أساس أنها صومالية، ولو اكتفت أن قالت نور عمر، فأنا لن اسأل عن بقية تاريخها القبلي أو الشخصي. الشيء الذي أجده مرتبطاً في كل الصومال من خلال سفري ومعرفتي بنورهان وأهلها، ولو أني لا أتطرق في علاقاتي إلى الأشياء العميقة، ان الصومالين لم تكن لديهم النظرة الطبقية أو المادية، ولا يضعون أنفسهم في مقارنة، مثلما تفعل بعض الجنسيات المتجنسة الأخرى!
لديهم حياتهم الخاصة، ويتزوجون من بعضهم البعض، وهم قبائل مختلفة ومتنوعة، ومعظمهم إن لم أقل جميعهم، متعلمون ومثقفون جداً، ويعملون في قطاعات كثيرة متعددة، لا تجد لديهم أي ميول سياسية تخريبية، يتميزون بشدة الجاذبية، التي وهبها الله لهم جميعاً من النساء والرجال. ومن النادر جداً أن تجد واحداً من قبيلتي، متزوج من صومالية، في حين أنك من الممكن جداً والطبيعي أن تجده متزوجاً، من سعودية ذات أصول سورية أو شامية، ويبدو متلفهاً على الزواج من هذه الجنسيات لاعتبارات كثيرة.































15 ديسمبر, 2006 01:55 م