
في فترة ماضية من حياتي لم أكن أشعر بأن لأسمي أية ميزة، وأنت ترى عشرات الفتيات في صفوفك الدراسية، يحملن نفس الاسم، كان قلبي الصغير يمتلئ بغيرة لا أحبها ولا أطيقها، وأنا المرأة التي لا تعرف الغيرة، وأنما تهوى تمثيلها حتى تسكنها، حينما أجد بعض الفتيات يحملن أسماء ذات ترنيمة جميلة وقصيرة وتشعر وأنت تنطقها، أنك تعرف صاحب الأسم جيداً، لون تاريخه الأبيض، وحكاياته القديمة، شكلها الذي يفر إليك سريعاً، بيضاء، مليئة الجسم أو نحيلة، شقراء، أو صهباء الشعر، رشا، لينا، دينا، شهد، وعد، مثل هذه الأسماء تعوق بعض ثقتي بنفسي، لكني حينما كبرت قليلاً، وصرت أطول بأصبعين، أصبحت النساء الصغيرات منتفخات البطون، ما أن يعرفن أسمي، حتى يقلن لي بتودد كبير، أنهن إذا أنجبن فتاة، فسوف يطلقن عليها أسمي " سارة"!!
الرجال ايضاً يعجبون بأسمي بسرعة منذ أول لقاء، ومنذ أول حديث، لكل واحداً منهم قصة مع امرأة أسمها سارة، يعتبوا على قلوبهم ضاحكين، ويقولوا كلاماً كثيراً، عن الحب والمرأة والفراق، أفهمه وأبتسم في وجوههم، أنهم دائماً متأكدين أن كل امرأة جملية، لابد أن يكون أسمها سارة، شيئاً فشيئاً أصبحت أتوائم مع أسمي، وأحاول أن اختزله بشخصيتي، التي إلى الآن لا أعرف ماهيتها!! هل تصدقني حينما أقول لك ذلك، هل ستصدقني حينما أقول لك، إنني لربما أكتب لك الآن، وأفضح سيرتي الشخصية، حتى أعرف سارة ليل الجمل، أكثر من رغبتها فقط بإعلان مشاعرها لك، والتي استطاعت أن تخبأها طيلة السنوات التي مضت، دون أن تفكر بإعلانها، هل هو الخوف من السقوط في قلبك، أم هي الرغبة في التواجد بعيداً عن مساحات ظلالك!!
رائحة أسم والدي تشبه تماماً حكايا صديقاتي لي، حينما يغرقن في سكر علاقاتهن العاطفية، أحب قصصهن كما أحب قراءة الصحف في حمامي الخاص، أحب صوت صديقتي عليّا وهي تحكي لي دامعة، عن قصة الشريط الذي وجدته من حبيبها، تركته لتتزوج غيره غصباً عن مشاعرها، لعليّا إحساس لا يمكنني أن أجده حتى في نفسي، حينما تتكلم عن الرجل الذي أحبته، تتكلم بلغة شعرية مؤثرة، أشعر بأني أطير معها، في فضاءها الواسع أو الضيق صدقني لا أعلم، لكني أستلذ كثيراً في الاستماع لعليّا، وهي تخبرني عن قلبها، وعن دموعها الليلية حتى وخطيبها يملئها دلعاً وغنجاً، تسألني دائماً لماذا لم يتقدم من أحب للزواج مني؟!
قصص صديقاتي لا تنتهي، تبدأ جميلة مثل كل الحكايات، وتنتهي نهاية ساحقة، يؤلمني إننا نعرف جميعاً، لونها وهيبتها وحتى لون الكعب الذي تستند عليه، رغم ذلك، نفزع من كل هذه النهايات الضجرة، ونحلم بنهاية جميلة كما هي أفلام صلاح أبو سيف، كنت أقرأ قبل أيام دراسة سينمائية عن أفلام صلاح أبو سيف، وعن شخصية الرجل والمرأة في أفلامه، وأحببت بعد هذه الدراسة المخرج، لأنها أنصفته كثيراً، وأنصفت رؤيته العميقة!!
الجمعة، 21 تموز، 2006
12:11:58 م
لازلت أحلم أن تتوقف الحرب على لبنان، أظل لساعات طويلة أرقب الشريط الأخباري لنشرات الأخبار، قصف قتل، استنجاد أهالي الضواحي، نقص في الماء، نقص في الحياة، نقص في الأدوية، الكل يناشد، وصديقتي ضحى تتصل بي، تقول لي ابحث عن شخص ، أفرغ لديه مشاعري، لم أستطع أن أنام رغم أنني لم أزر لبنان ولا مرة في حياتي، قلت لأتصل بسارة، فهي أكثر قربا منّاً إلى لبنان، كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً، نظرت إلى الساعة، قلت لها لم أنم منذ أن استيقظت عند صلاة الفجر، همهمت بالتلفون أنها كذلك، لم تستطع النوم، كانت تتحسر على كل شئ يموت في لبنان، قلت لها، بمجرد أن تنتهي الحرب، سأسافر إلى بيروت، سأسافر إلى كل قطعة في لبنان، عاليه، بمحمدون، برمانة، الأشرفية، جونية، سأذهب إلى كل قطعة في لبنان، لأقول لهم إن قلبي معهم.
كيف أبدأ لك تاريخي، أو كيف لك أن تعلم حكايتي، منذ متى تريدني أن أقص عليك أحسن القصص، منذ أن فكرت بالبحث عن الأديان والمذاهب، ودخلت في هودج الصوفية طويلاً، أو منذ بدأت ابحث وأنقب عن المذهب الشيعي، أو حتى منذ دخولي إلى الجامعة، أو منذ معرفتي بحزب اليسار، وتعرفي على حسن كاظم ،هاشم. ع.،ووسام ريحاني وأسد القرشي، تبدو لك الأمور مذهلة، أنا أبنة القبيلة، التي أنتمي لطبقة أقل مايقال عنها إنها برجوازية، تفضح نفسها أمامك بكل هذه البساطة، وتحكي تاريخها الفكري والنضالي بسطور بسيطة، إنها أعوام، أعرف أننا يمكننا أن نعدها على أصابع اليد الواحدة، ولكنها كفيلة لأن تستطيع أن تؤرخ حياتي من جديد.
في حياتي لم أجد صعوبة في الحديث عن نفسي، أعرف جيداً كيف لي أن أرتب صورتي أمام الآخرين، لكني أحياناً أجهل كيف لي أن اختصر بعض القصص، أحسد صديقتي زينة فلديها قدرة عجيبة على أن تختزل لك حكاياتها وحكايات صديقاتها في العمل بصورة أشبه بالهمبورجر الذي دأبنا أنا وهي على تناوله في فترة معينة من حياتنا، بعد هذه الفترة سأمنا من صنف الهمبورجر، وكان وقتها تجري على قدم وساق حكاية المقاطعة للمنتجات الأمريكية، أو المنتجات التي تدعم العدو الصهيوني، فوجدناها فرصة لكي نشترك في الهجوم الجميل لنجرب أن نحرم الآخرين من فرص الربح عن طريقنا، ولنجرب متعة أن نستغني عن أمرا كنا نتصور أو نعتقد أننا لن نستطيع أن نتخلى عنه، وهانحن نجد أنفسنا نستطيع لأن نتكيف مع ماينقصنا، وقطعة هامبورجر تنقصني أنا أو زينة في طبيعة حياتنا لهو أمر بسيط ولا يستحق منا تسجيل معاناتنا.
أكثر شي ربما فاجأني حينما كنت أدرس في البحرين، مضافاً إلى كمية هائلة من المتناقضات التي وجدتها من خلال تعاملي مع الآخرين، امرًا وجدت نفسي فيه بين البينين، فخورة به، واحياناً خجلة من نفسي، حينما كنت أحاول قبل أن اذهب إلى جامعتي، الواقعة في مدينة عيسى عصراً، كنت أمّر على أحدى المجمعات التجارية، في مدينة المنامة، وحينما كنت أرغب في تناول علبة بيبسي أو كوكاكولا، أخبر سائقي أن يشتري من السوبر ماركت الكبيرة، المقابلة لهذا المجمع، وكنت أدهش حينما يخبرني إن هذه السوبر ماركت بالذات، لا تبيع علب البيبسي، فهي مقاطعة!!!!
هناك شيئاً ما يلخبط رأسي، لا أعرف كيف أصنفها لك، كان قد مر على أمر المقاطعة في وطني شهور عديدة، واعتقدت أن الناس بدأت تنسى وتعاود الشراء، وكأن شيئاً لم يكن، لم أتصور أنه لازال هناك بقية من الناس، يحترمون مبادئهم ويصرون عليها، حتى لو أننا اختلفنا معهم.
أذكر في حمى المقاطعة، أن ذهبت إلى الكافتيريا في الجامعة، ووجدت الجميع في الطابور الذي يسبقني يطلبن عصائر الربيع، في حين إنني جئت لأطلب من العامل الهندي، واحد بيبسي من فضلك! رمقتني الطالبات واللاتي يبدو عليهن إنهن ينتمين إلى المذهب الشيعي، يمكنك معرفة ذلك من خلال طريقة لبسهن للعباءة والحجاب، يبدو الأمر سهلاً، هادئات متزنات كثيراً يمشين أسراباً دائماً، كمجموعات لا يفترقن كثيراً عن بعضهن البعض، كانت نظراتهن لي بها الكثير من الاشمئزاز، هل أبدو عميلة صهيونية، أم جاسوسة أمريكية؟ أم ماذا؟ لكني وأنا الفتاة التي تعلمت على أن تكون مع رغباتها حتى النهاية، قاومت تلك النظرات وأخذت علبة البيبسي وظللت أشربها، وكأني أشرب نفق روحي، لقد سأمت من النظرات الحاقدة عليّ، إنني بفلس واحد أدعم أكبر منظمة تبيح قتلنا، وتريد أن تغزونا، وكأنها لم تغزونا حتى الآن!
جلست كعادتي على الكراسي المتناثرة خارج الكافتيريا، بعد أن ذهب الجميع إلى المحاضرات، أخذت أتطفل على الطاولات، وحتى على سلة القمامة الواقعة على جانب الكافتيريا، ولم أجد ولا علبة بيبسي واحدة سوى علبتي التي أحملها بيدي.
في اليوم التالي، جئت إلى الكافتيريا، وذهبت إلى نفس الطابور، وحينما جاء دوري، سألني العامل بغباء: بيبسي.. قلت له بشجاعة كبيرة، لا ،،أريد عصير كوكتيل الربيع من فضلك!!

























13 ديسمبر, 2006 11:20 ص