
أية دهشة باردة تترك رأسي مشغولة حتى الآن، منذ أن نفضت النوم من على عيني، ومنذ أن أمضيت أكثر من عشرة دقائق، وأنا أفرش أسناني وألهو في الحديث، عن موهبة تمازج الكيمياء بيني وبين الآخرين، لدي قدرة كبيرة على أن أصنع رغوة من الدفء بيني وبين من أحب، كما هي رغوة الكبتشينو، لكني تصادمت قبل أسبوع وبعنف مع صديقة لا أعرفها جيداً، ونفضتها من هوائي الغائم، لم أستطع أن افرش بساط رغبتي وذاكرتي على يديها، أرهقها تاريخي، وأرهقني عنادها الضيق، وقدرتها على الصراخ، وبعثرة رصاصتها من حصالة ابنها الصغير! أفكر بشرب القهوة في شرفة الحديقة، سريعة هي الأشهر التي مضت برفقة الأصدقاء، أنفخ كل الروائح التي علقت في شعري، وفي جلبابي الأبيض المغربي القصير، أطرد صورة الصديقة التي تعبت من تعديل رموش عينيها الساكنتين بالفراغ، لازلت مضطربة، لدي موعد بعد غد في السفارة الأمريكية بالرياض، أرتقب الموعد منذ أربعة أشهر، منذ بداية الصيف الماضي، ولم أعّد له شيئاً على الأطلاق!!
مصابة بالدهشة والحماقات المبكرة، أرتكب جريمة في توزيع الألوان في حديقة البيت، خيالاتي تماثل تلك اللحظة التي أسمع فيها الأغاني، وهي تنبت كالأسماك من حوض البحر، أنظر من الحاجز الزجاجي إلى خادمة البيت، تعيد ترتيب طاولة الحديقة، ترفع أكواب ليلة البارحة الفارغة إلا من أنفاسنا، وتزيح المساند من فوق كراسي الخيزران، أنظر إلى سكناتها، وأطلب منها أن ترفع صوت الموسيقى، عشر دقائق أمضيها وحيدة، قبل أن أخرج إلى الجامعة، كامرأة تحلق فوق حزن كربلاء، مؤنثة بتاء التأنيث وأناشيد الصغار، أشتم الهواء في حديقة المنزل، وأرقب صغار الأرانب، التي جلبتهم أختي الصغيرة، وإلى سمكة صغيرة كانت امي أشترتها في العيد لأبن أختي، ووضعتها داخل كأس بلاستيكي، تتحرك سمكة الزينة داخل حيز صغير، ولازالت تعيش، ألا يبدو ذلك مثيراً للدهشة، أن تكون قادرة على أن تعيش طيلة هذه الفترة، في مثل هذا الحيز، ولم تشتكي لحظة واحدة، ولو كانت حزينة لعرفت بذلك، أعرف كيف يحزن الصغار، وأنصاف البشر، والمتوهمين بسحر البطولة، وكيف تموت أقمارهم الصغيرة، حتى دون أن يبوحوا بذلك الحزن الجاهلي كالطوفان، لكن السمكة الزرقاء، لم تكن حزينة، رغم أنها تعيش داخل مساحة، لا تكفي إلا لكي تدور مرة واحدة حول نفسها!!
صوت الراديو يرتفع، لا أحد في البيت سواي، أنا والخادمات الثلاث، أنتظر سيارتي تأتي كي أذهب إلى حيث أكون، سارة بلا مدى أو عقد القبيلة، أفرغ ضحكاتي وجنوني وبعثرتي، وأرسم أحذية أساتذتي، ورؤوسهم التي تضحكني جداً، أصيخ السمع للأغنيات التي تخرج من الراديو، نبيل أخبرني البارحة، أنه يكتب لي وهو يستمع من راديو صغير، ذو بطاريات شاحنة، لصوت إلهام مدفعي، تخيلت أني أستمع معه، ولكني أحب اصوات النساء أكثر، فكانت تلك المطربة الجميلة تغني لي وحدي، هاهي تخرج مرتدية كعبها الألماسي من الراديو، أشتم رائحة القهوة قبل أن أرتشفها، وأتذكر جو يحدثني عن قصص لا أعرفها ولكنها تضحكني، يأتي صوت الممطربة الجميلة وهي تغني، أحاول أن أعيد الأغنية في رأسي أكثر من مرة لعلي أفهمها، أحب الموسيقى التي تخرج منها، أحب كبرياء المطربة وهي تلوح بالهجر لمحبوبها، دون خوف من الوجع والجوع الفصيح الذي يبدو أنها أعتادت عليه، أتخيل أشياء كثيرة لها، فستانها الطويل، وتسريحتها الأوروبية، والرموش الأصطناعية التي تضعها على عينيها، الترتر الذي يملئ جفنيها، والعطر الذي يأخذني إلى حيث أتذكر كل مغامراتي التي أتوهمها، لم أفكر ولا مرة و احدة أن اكون مطربة، أغني على المسرح، ويصفق لي الجمهور، وأنثر ورودي التي أحملها معي قبل أن أبدأ في تواشيح الأغاني، أحببت فايزة أحمد، في أغنيه لها، لا أتذكرها الآن، لكني أتذكر أني رأيت عينيها وهي تدمع، لم أقل لأحد أنها كانت تبكي من قلبها، أبقيت الأمر سراً لنفسي، وها أنذا أكشفه الآن، في لحظة وقوفي الصباحية، أبتكر لخادمتي فستاناً لامعاً، أفضل من تلك الملابس الرسمية التي تفرض عليها.
قال مرة زوج فايزة أحمد الموسيقار الشهير، وهو من لحن لها مقام الأغنية التي بكت فيها، أنها كانت تبلع ريقها في كل مرة تعيد ترديد أحدى المقاطع، ومرة رجته وهو يدربها على حفظ لحن الأغنية قائلة له: أرجوك ياسلطان كف عن عزف الموسيقى، فقد كانت تنزف، ولم تكن بحاجة إلى كل هذا الألم الذي يبغاتها، فقد كانت تشرب دموعها وتحرق أنفاسها.
ذات مرة سمعت صوت فايزة أحمد قادماً من غرفتها، خطوت نحوها، صغيرة كعقلة أصبع، رأيتها كما أراها كل يوم تعطر مفرش نومها، وتلمع حذاء زوجها، وتعيد أطار الصورة إلى مكانه، زوجها وهو أبن عمي ايضاً، شاب وسيم ومندفع تجاه حياته، لم يرغب في العودة إلى الوطن كثيراً، ليترك هيا التي أحبته، تبكي طيلة النهار، وتحاول خداعنا أن لا شئ يمكنه أن يكسرها، طرقت باب غرفتها مرة، وكأنها كانت آخر مرة أراها فيها، بعدها بدأت هي غربتها، قبل أن تبدأ غربتي أنا بعدها بسنوات قليلة، ألتفت إليّ وكأنها لا تعلم أنني تعودت أن آتي إليها، كلما سمعت صوت فايزة أحمد، يخرج من مسجلها الأسود، مسكت يدي وقالت لي وهي تنتحب من جديد: سارة لا تثقي في رجل.. ولا تحبي أحداً!!
ومضت غليان دموعها، ومضيت أنا أزوّدها بعلب المناديل دون أن تعلم، أن الجميع ينتظر خروجي من غرفتها، ليسألوني عن لون عينيها، هل هي شديدة الأحمرار، أم نصف محمرة، أم مجرد دامعة، وعن مدة بكائها، وعن الوقت الذي أمضته في التطلع إلى صورة فهد!!
رأسي مشغولة، وصورة هيا تأتي في رأسي هذا الصباح، صوت فايزة أحمد يمطرني هذه اللحظة، "بكرة تعرف ياحبيبي قبل مايفوت الآوان.. بكرة تعرف ياحبيبي آد أيه من عمري ضاع.." وتنهمر الأغنية، مشوشة أنا كسقف حائط سكران، أفكر بكل شيئ يهب كالعاصفة على حياتي، أكتب مقالة جميلة، مليئة بالضحك، ولم أكملها بعد، فكرت أن اكتب هذياني هذا الصباح، حتى أستطيع أن أنهي مقالتي الجديدة وأنا في طريقي إلى الجامعة!
سمعت فايزة أحمد من أذاعة محلية، وجاءت هيا بعينيها الواسعتين الغارقتين بالكحل تنهش قلبي..!
هذا مجرد هذيان صباحي.. أحببت أن أشارككم فيه قبل أن أنهي مقالتي الجديدة!!
























09 ديسمبر, 2006 02:57 م