
هل مررت بشعور غريب وعنيف يخامرك، كأن تكون مسئولاً عن شخص ما، لا تعرفه إلا منذ أسابيع، تفكر به، وتنشغل في البحث عن كيفية إبقاءه حياً بأي وسيلة كانت، وفي كل مرة تزوره، تسأله إذا ماكان على قيد الحياة أم أنه غادر سريعاً؟ سؤال صعب وقاسي، هذا ما اسأله إلى قلبي، رغم أني لا أعرف نبيل جيداً، لكنني أشعر فطرياً بأني مسئولة عنه، تنتابني أحاسيس ملوثة ومريضة، إذا لم يرد على أي أيميل أبعثه له، قلبي سينفطر ويفقد الكثير من قوته، لو عادت رسائلي إلى صندوق بريدي الألكتروني، لعدم التمكن من الوصول إلى المتلقي.
قبل ليلتين فكرت أن اكتب له رسالة، إلى نبيل طبعاً، أطلب منه، أن لا يموت مبكراً، كل هذه المشاعر كانت تغالبني، تفتح نافذة شراعي، وكتبت له رسالة قبل أن أذهب إلى النوم ودون أن اشعر بأي شئ، أو حتى بوجود أية مقدمات، وجدتني أقف في منتصف الرسالة، وأنام بلا وعي مني لحاجة جسدي الدقيق للنوم، سقط رأسي على الكمبيوتر، ولم أكمل الرسالة!!
في صباح اليوم التالي، فتحت بريدي الألكتروني، لأجد أسم نبيل في مقدمة رسائل الصباح، قرأت سطرين، وأطلقت زفرة حارقة من صدري، لأقول " الحمدلله لازال على قيد الحياة"، رسالته الأخيرة التي بعثها لي، شعرت بأنها تستحق أن تنشر في مدونتي، دون حذف أو إضافة من قبلي..
إلى نبيل العراقي.. أتمنى أن تكون دائماً بخير.. أرجوك لا تستعجل الرحيل!!
**أشكرك يا سارة لأنك تتذكريني برغم أني من أقل الأشخاص الذين يمتدحونك.( كم أكره نفسي حين أبالغ في مديح شخص ما), لقد سألتني لماذا تقتلون بعضكم البعض؟ لان هناك من يدفع بسخاء من أجل ذلك.وتسأليني مرة أخرى لماذا أنتم شعراء وبكاءون؟ نحن شعراء لأننا شعراء!! وبكاءون لأننا لم يمر علينا عام بدون كارثة !!حتى إن عمري ألان صار ثلاثة حروب وحصار و احتلال واحد !!أذن من أين تأتي السعادة يا سارة؟
وتقولين مرة أخرى بأني يجب أن أكون مميزا في جيران !! كلا لن أكون ولن تري مدونتي في المدونات الأكثر شعبية ولن تري إحدى قصصي كذلك ولن أجد تعليقات كثيرة ..أتعرفين لماذا؟ لأني أعرف كيف يفكر الناس!! فهم لا يبحثون عن الحزن!! ولا يدلون بعضهم البعض على بؤره!!. في إحدى المقابلات مع أحد المخرجين الهنود ,سأله الصحفي :لماذا أفلامكم تملأها الأغاني والفرح وقصص الحب الأسطورية وهذا عكس الواقع الهندي؟ فأجاب المخرج:لان الناس تشعر بالاشمئزاز من الواقع فيهربون إلينا!!!. ولكني يا سارة لا أريد أن أكون شعبيا مثل كرة القدم ولن أقدم للناس ما يحبون !! ولكن سأريهم الحقيقة!! يا أيتها اللطيفة اتركينا من الحزن.
على العموم هل تريديني أن أذاكر معك؟حسنا ولكني أحذرك فإذا جلست بقربك فلن تستطيعي قراءة كلمة واحدة ! تقولين لماذا؟... لأننا سننشغل بالكلام (أنا بطبعي مقل بالكلام ) لأني أعرف ملايين الحكايات وآلاف أبيات الشعر والقصص التي لم يسمع بها أحد ! فأنا في قلبي ذكريات لرجل عاش ألف سنة!!! ولاني سأحكي لك عن عدد المرات التي واجهت فيها الموت وكيف نجوت!! سأحكي لك عن سلاحي الرشاش السوفيتي الصنع الذي لا أستطيع النوم ألا إذا كان بقربي!! سأحكي لك عن النساء آلائي كنت أحبهن وآلائي توزعن بين المنافي!! سأحكي لك عن حبي الأول حين كنت في المرحلة الابتدائية سأحكي لك عن صديقي" إدوارد" المسيحي الذي لا يستطيع النوم ألا إذا تكلم مع شبح الطفل الذي يقع قبره تحت غرفته(هل خفتي أنا آسف),سأحكي لك عن صديق الرسام الذي باع حذائه كي يشتري ألوان... سأحكي لك عن المليشيات وكم أعرف منهم ,سأحكي لك عن قصة الوشم الذي على زندي ,سأحكي لك عن أصدقائي الميتين والمرشحين للموت(أنا واحد منهم كما قال العراف).,سأحكي لك عن أنواع الزهور التي تنبت في حديقتنا, سأحكي لك عن أصدقائي الفقراء الموهوبين سأحكي لك.,سأحكي لك عن كل شئ لم يمر به أحد من رجال قبيلتك أو أحد الذين تعرفينهم...سأحكي لك ..سأحكي لك!!
سأحكي لك عن هذه الأشياء إذا رأيتك يوما ما....الآن فلنعد إليك...يبدو أنك رأيت الكثير من الأماكن الجميلة يوما ما في حياتك!! أذن فيتوجب عليك أن تأتى معي إلى مكان لا نستطيع أن نقول عنه جميل!! نعم ستأتين معي حتى لو اضطررت إلى سحبك من ذراعك !! هل تريدين أن تعرفي المكان؟
حسننا ..المكان هو مدينة الصدر..الغرض من الزيارة ..زيارة صديقي" يس" الذي أصيب بشظية في أحد الانفجارات هناك,وكذلك حضور حفل افتتاح صورة أبن عمتي الذي كان ينتمي لإحدى المليشيات وقتل.....هل تأتين معي أم أستخدم العنف؟ جيد يبدو انك ستأتين معي..ملاحظة: إذا كان يزعج رؤية الفقراء و البسطاء فأغلقي الصفحة فأنا لن لآخذك إلى مقاهي بيروت.ملاحظة أخرى:كل الأحداث حقيقية ما عدى حضورك.
سأستعين بإدوارد الذي تعلم من صديقه الروح الطفل كيفية استحضار ألا رواح!! سأشعل البخور وأتلو أسمك والباقي على إدوارد...ها أنت ذا تحظرين بصيغتك الأثيرية, أسلم عليك وأنت تردين السلام من إحدى زوايا الغرفة..(أنت لست مستغربة لأننا قد اتفقنا سلفا) يتركنا إدوارد ويذهب ...حسنا هل أنت مستعدة؟ تردين بصوت لا يسمعه غيري ولا أستطيع أن أسميه صوت ولكن همس واضح...أبقي هنا سأغير ملابسي و أعود..لبست بذلتي القاتمة( بدون ربطة عنق)., كنت أجلس على طرف السرير لكي ألبس جواربي , أثناء لبسي الجوارب شعرت بطاقة روحية تدخل إلى الغرفة وبدون أن أرفع رأسي عرفت أنك لم تصبري لان حب الاستطلاع أكلك ..عاتبتك: ..ألم أقل لك يا سارة أن تنتضريني في الأسفل ؟أووف يا نبيل أريد أن أرى غرفتك والمكان الذي كنت ترسل منه مشا ركاتك وتعليقاتك...ولكن لماذا لون حاسوبك أسود؟ لأني أحب اللون الأسود!!. فتحتي درج ملابسي(أنا مستغرب من جرأتك) وأخرجت أربطة عنقي..كانت هناك ربطة عنق معزولة عن البقية وكأنها مرفوعة بيدك اليسرى (أنت غير مرئية)..هل هناك من يشتري هذا اللون(تسأليني بعتاب) ؟لم أشتريه شخص ما أهداه لي. اتجهت إلى مكتبتي وبدأت بتقليب الصفحات ..جيد أنت تقرأ لعبد الرحمن منيف!! أجل (بدأت أنزعج من أسئلتك الملحة)...اخترت لي ربطة عنق تتناسب مع لون القميص السماوي والبذلة الغامقة و أعطيتني إياها(كانت معلقة في الهواء وممدودة باتجاهي..شكرا لن البس ربطة عنق لان المكان هناك لا يتحمل...أخرجت ساعتي الرولكس مع علبتها من أحد الأدراج و أخرجت بطاقات هوية واحدة مكتوب فيها لقب لعائلة شيعية والثانية تقول أني من عائلة سنية...تدسين أنفك مرة أخرى لماذا تحمل بطاقتي هوية؟كي أبرزها حين أقع في فخ نقاط التفتيش الوهمية أو حين يخطف سيارتنا المسلحون؟ وكيف تعرف الجهة التي يمثلونها هولاء الأشخاص ؟ أوففففف أجيبك بنفاذ صبر, لأني أمتلك من الفراسة ما يكفي كي أعرف الجهة التي ينتمون اليها ,حسنا آنا أتممت ترتيب هندامي هيا فلنخرج أرجو أن لا تذهبي بعيدا!! ..خرجنا نتمشى إلى الشارع الرئيسي كي أستأجر تاكسي...كنت تسألين عن كل شئ في الشارع كأنك تريدين معرفة كل شي دفعة واحدة!! وقفت سيارة أجرة... الله يساعدك أخي!! إلى شارع الرشيد إذا أمكن؟ ماشي؟ ايشكد؟ ثلاثة آلاف دينار(دولارين) ماشي توكل على الله... كنت أعرف أنك ستسألين ..نبيل أيها الكذاب لقد أخبرتني بأنك ستذهب إلى مدينة الصدر فماذا نفعل في شارع الرشيد؟ حين نصل ستعرفين.وجلست في المقعد المجاور للسائق(تعتبر إهانة للسائق ذا لم يجلس الرجل بجانبه) بعد لحظات قال السائق:الله بالخير..سألتني مرة أخرى ماذا يقصد با الله بالخير؟ لم أجبك لان السائق لايراك ,ماذا سيقول عني هل أنا مجنون كي أتكلم وحدي؟ بقيت تكررين الأسئلة كلما مررنا بمكان ولكني بقيت صامتا... لم تتكلمي بعدها... يبدوا انك شعرت بالإهانة و لم تسأليني عن شي آخر مرة أخرى ولكني أشعر بأنك مازلت معي في السيارة....نزلت في شارع الرشيد وبدأت أسمعك تجهشين بالبكاء .لماذا تبكين يا سارة مطر يا صاحبة القبيلة؟(بدأ الناس ينتبهون ألي أني أتكلم لوحدي!! أخرجت هاتفي النقال(كأني أتحدث لشخص ما عبر الهاتف) وبدأت أتكلم معك كي لا أثير استغراب أحد..سألتك مرة أخرى لماذا تبكين؟ لأنك تتجاهلني ولا تكلمني حين أسألك!! ..ماذا تظن نفسك؟ هل تعرف مع من تتكلم ؟ أنا سارة مطر صاحبة القبيلة..هل تريد أن تعرف عدد الذين ينتظرون كلمة مني؟ حسننا أدخل إلى التعليقات وأقرأها جيدا!! أنا أجيبك وأنا أمثل أني أتكلم بالهاتف كنت أشعر بالإهانة وتحول لون وجهي إلى الأحمر..يا سارة أريد أن أتكلم معك بصراحة..هناك عدد كبير من هولاء هم متملقين ويغارون منك ولكنهم يقولون عكس ذلك وأنا أكره عدد كبير منهم وخاصة هولاء الذين يقولون مثلا(أرجوك يا سارة مري على مدونتي وأكتبي شيئا ما... و كأنهم يستجدون!!) من أين لك كل هذه اللطافة كي تردي على كل أولائك؟ هنا تقاطعيني قائلة بعصبية وتتكلمين بسرعة: لن أسمح لك بالحديث عن أصدقائي وهم ليسوا متملقين وأنا لا أعاني حين أرد عليهم لانهم هم من يعطوني طعم هذه الحياة!! ولكنك مريض . ألان أجب يا نبيل لماذا كنت تتجاهلني؟؟؟ حسنا هل نسيتي أنك ألان في حاله أثيرية ولست في حالة مادية! ..أي لا يراك أي إنسان وأنا نسيت أن أطلب منك أن لا تتكلمي معي في التاكسي لان السائق سيضن أني مجنون وينزلني من سيارته هل عرفتي السبب الان يا ذهبية؟ بعد لحظات صرت أسمع ضحكتك النابعة من القلب..وتقولين والضحك يجزء كلامك. أعذرني يا نبيل فأنا لم أكن شبحا من قبل!!! حسنا..سأدخل إلى محل الساعات فتعالي معي ولا تتكلمي مطلقا..بعد مساومة مريرة بعت آخر الأشياء الثمينة التي أمتلكها بمبلغ أربعمائة وخمسين دولار!! أشعر بحزنين.... الأول لأني بعت هدية كانت قد أهدتها ليا إنسانة غالية والثاني لأني بعتها بسعر أقل بكثير من ما تستحق..لماذا تبيع ساعتك ؟ حسنا سأخبرك لماذا أتيت إلى هنا ولماذا أبيع هذه الساعة!..صديقي( يس) نيوتن ..تقاطعيني من؟.... نيوتن!!؟ نعم لان درجة ذكائه حسب تقييم لجنة المختصين الألمان التي زارت العراق يوما ما هي... فائق الذكاء!! ولأنه لم يكن يستخدم الحاسبة اليدوية ألا نادرا و لأنه كذلك كان يرعبنا بإمكانياته التي تشعرنا بأننا لاشيء!! كان يستنبط القوانين والحلول المختصرة...ولكنه كان بائس وملابسه رثه..ويقضي العطل في العمل كعامل بناء !! كم كان يتمنى أن يحب امرأة ما أو تحبه ..لكن حالته المادية البائسة جعلته يخجل من أن ينظر في وجه إحداهن..كان يداوم عام ويؤجل العام الآخر من أجل جمع المصاريف!! وهو ألان المعيل الوحيد للعائلة وقد أصيب..لذلك سأعطيه هذه النقود برغم أني أعرف أنه لن يقبلها ولكني سأحتال عليه..كنت أهم بإيقاف تاكسي ولكني سمعت صوتك يقول وقد خنقتك العبرة(يبدوا أنك قد تأثرت كثيرا) ما رأيك لو اشترينا له ولعائلته بعض اللحوم والمستلزمات المنزلية؟ آه كم أنتي رائعة وحساسة وتفكرين بالآخرين !! عنفت نفسي لأني لم أفكر بذلك من قبل ....هيا فلنذهب إلى تلك البقالة القريبة(مثل حقيبتك)....دخلنا إلى المحل وأنا أسمع أوامرك أشتري هذا أجلب ذاك أنزل هذا من الرف....اشترينا مستلزمات بحوالي خمسين دولار...(كل شئ رخيص في العراق وبهذا المبلغ نشتري عدد كبير من الأشياء)....وألان فلنوقف تاكسي..هنا اجتاحتني رغبة ملحة بتدخين سيكارة ولكني بمجرد أن أخرجت العلبة حتى سمعت صوتك يقول لي أرميها أنها....سأكمل القصة إذا رغبت بذلك لان هناك من يهمس في أذني ويقول أنك لن تقرئيها برغم أن المنطق يقول عكس ذلك !! إذا أحببت سأكملها..
ملاحظة: أنا آسف إذا كنت قد وجهت لك بعض الكلمات التي ربما تزعجك، في سياق هذه القصة، ولكن هذا ماكنت أفكر به حينها، ولا أستطيع تغييره، وإلا أصبحت غير صادق!!




































05 ديسمبر, 2006 10:55 م