
هذا ما أجده في الجامعة التي أدرس بها، جئتها فتاة خجلى للغاية، كنت أستند دائماً على الجدار وأضع عيني في الأرض، ربما لا يصدق أحداً إن هذه الشخصية هي أنا، لقد كنت أشعر بأني وحيدة، وعليّ أن أكون كذلك، في بلد لا أعرف فيه إلا هذه الجامعة، فلم أكن أريد أن أتقرب من أي شخص، فقد كنت انهي محاضراتي وأعود إلى السعودية، دون محاولة لاكتشاف هذا البلد، الجميع يظن أن البحرين وطن لا يمكنك اكتشافه، رغم سخونته السياسية الشديدة!!
وربما هذا ماكنت أظنه أنا ايضاً، ولم أسعى بحرص إلا لأكتشاف أقرب صالة عرض للسينما، وأهم مكتباتها كي أثري رأسي وروحي أيضاً، ماعدا ذلك لم يكن يعنيني من البحرين سوى طريق عودتي إلى البيت، ولم يكن يفصل بين جامعتي وبيتي، الواقع في مدينة الخبر سوى 45 دقيقة فقط!!
لم أحاول أن أتعّرف على أي شخصية بحرينية، وبقيت المرأة أو حتى الرجل البحريني، عالماً بعيداً عن رأسي وفكري، أنهي محاضراتي وأعود مباشرة إلى قبيلتي، فقد كنت أشعر باكتفاء عالي، مما جعلني بعيدة عن أي محاولة للتقرب من البعض، حتى بدأت أتأقلم مع الطابع البحريني البسيط، لبستُ العباءة مصادفة في الجامعة، لم أخطط لهذا الأمر، ولقي أستحسان أستاذي العراقي، الذي درسّني اللغة العربية، في أول كورس جامعي لي، وقررت بعدها أن لا أخلعها كي أبدو مثل البقية في الجامعة.
بعد عامين بدأت أجلس مع بعض الطالبات البحرينيات، وبالتأكيد وجدتهن بسيطات ولهن عالمهن السحري الخاص، ولو أنهن يختلفن كلياً عن بنات قبيلتي، سأكتب مشاعري تجاههن في موضوعاً آخر، وربما في رواية منفصلة، لأني أجد أن الشخصية البحرينية تستحق التوقف عندها طويلاً، ولديّ أسبابي التي تقنعني بشدة لذلك، تماماً كما يجد العالم كله، أن شخصية المرأة السعودية، تابو عليهم أكتشافه ومعرفة خصائصه. يبقى الرجل البحريني، هذا الكائن اللطيف، سهل المعشر، والذي يبدو شخصية متميزة، تعرفت عليه قبل عاماً واحداً فقط!!!
ووجدت أن هناك فرق بين البحرينية ذات المذهب السني، والبحرينية ذات المذهب الشيعي، وكذلك الرجل، ولازلت أقوم بدراسة خاصة لي عن هذا الفرق الكبير. فإذا كان كل ما يفصلنا عن مملكة البحرين سوى 25 كيلو متر فقط، وتجد أن هناك اختلافاً كبيراً وشاسعاً بين المرأة البحرينية والمرأة السعودية، فما بالك مابين المذهبين في ذات المكان، وأجدني متحيزة جداً للمرأة السعودية، خاصة فيما يتعلق بالثقافة، فأجد أن المرأة السعودية أكثر إبداعاً وأكثر ثقافة، من نظريتها البحرينية، ويعود البعض إلى أن السعودية، تعتبر قارة هذا إذا ماقمنا بمقارنتها بالمساحة وعدد السكان، نسبة إلى مملكة البحرين، من هنا فلا يمكننا أن نجد مجال للمقارنة أو المفاضلة، هكذا يفسرّ لي البعض الأختلاف الواضح للعيان، في محاولة لتصحيح بعض المآخذ، في المقابل يبقى الرجل البحريني، مفتقراً إلى النضج الداخلي والتكويني، ينقصه بعض النضج أو الأكتمال العاطفي و النفسي، لا أعرف كيف لي أن أحدده، ولا أعرف هل هي الظروف الاقتصادية، التي يمر بها المجتمع البحريني، من حيث التقسيمات المذهبية، أو من حيث عدم وجود فرص تكافؤ العمل، كما يجدها الكثير من الوافدين، إذ أنك بكل بساطة يمكنك أن ترى في سوق العمل البحريني، رئيس العمل هو من الجنسية الهندية أو أي جنسية أخرى، والعامل البسيط ماهو إلا بحريني الجنسية، وهذا مالا أجده في أي مجتمع خليجي آخر، إلا أذا كانت كفاءة هذا الوافد، أفضل بكثير من كفاءة المواطن!!
يقول لي شاب بحراني، سارة حتى الحب أشعر بأني محروم منه، لأني لو أحببت فلن أستطيع أن أكمل مشوار حياتي كما يجب، فأنا أجد أن مستقبلي مظلم، لا وظيفة لائقة كما يجب، ولا راتب يكفي من خلاله أستطيع أن أؤمن لنفسي ولزوجة المستقبل، حياة جيدة، وأنا لا أطلب أكثر من ذلك!!
الشئ المميز الذي وجدته في البحرين، فيما لو تجاوزنا بساطتهم الواضحة، من حيث مفرداتهم اليومية، أو حتى من خلال تعايشك معهم، إن نساءهن لم يصبن بداء العنوسة، الذي نصاب به نحن هنا في السعودية، أو حتى في الخليج بأكمله!! وهذه ميزة جيدة بل أجدها رائعة، ولاحظت كمية الفتيات اللاتي يتزوجن من مجتمعات الخليج العربي، إن امتداد البحرين العائلي يتجاوز المحرق والمنامة وسترة، ليصل إلى الدوحة والدمام وأبوظبي والكويت، وهذا إن دل فأنه يدل على عمق التسامح الاجتماعي لدى البحرينيين، ومدى تأصل العلاقة الاجتماعية والإنسانية مع كافة المجتمعات التي تجاور هذا البلد الصغير!!
أول صديق بحريني اقتربت منه وبقوة، كان يشترك معي بالمحاضرات العام الماضي، ومحمد لا يشبه أي بحريني، فهو من المذهب الشيعي، ويعمل في وظيفة جيدة في النهار، ويكمل دراسته بالمساء، وإلى جانب كل ذلك فهو صحفي، متخصص في الكتابة السياسية بالشأن الإيراني، ومحمد هو أول انفتاحي على المجتمع البحريني بصورة مختلفة، وتبقى كل الدلالات أركنها في ملف جانبي، لأني أسعى لاستخلاص الفكرة عن البحرين، من وجهة نظري الشخصية، لأضافتها إلى رصيدي الشخصي، والذي سيلعب دوراً هاماً في كتاباتي القادمة. محمد شخصية دينامكية نبيلة للغاية، متعاونة بصورة تجعلك تخجل من نفسك، من فرط كرمه وحسن أخلاقه في التعامل مع الأشخاص، وهذه الصفة تجدها عند البعض، فيما لا يتصف بها البقية، وهذا أمر جداً وارد في أي مجتمع على وجه الأرض، لكن أجمل مافي الرجل البحريني، هي نظرته للمرأة، تجد بها الكثير من الأحترام والتقدير، وحسن المعاملة التي تليق بأي امرأة كانت، ولا يمكنك أن تتلمس منهم النظرة الشهوانية، فتشعر بارتياح شديد، وأنت تتكلم مع أي رجل بحريني، فهو يتعامل معك وكأنك واحداً مهماً من فرد عائلته، كما أنه يحافظ على المسافة التي بينك وبينه، ويتعمد عدم الدخول أو إلغاء هذه المساحة المخصصة له، لذا تجد في الجامعة هناك احترام وانسجام، رائع بين الطالب والطالبة، ولم أشهد طيلة مكوثي في الجامعة، على أي تجاوز ولم يحصل ذلك معي شخصياً، أو حتى مع أي من زميلاتي السعوديات، وكنا نشعر باحترام لأي بحريني لهذه الميزة، التي يتفوق بها على باقي جيرانه من دول مجلس التعاون الخليجي.
أكتشفت البحرين أكثر، حينما جاءت فطيم و زين وبعض الصديقات إلى البحرين بهدف الدراسة، كنّ أفضلاً مني، حاولنّ أن يكتشفن الكثير عن البحرين، وأخذني معهن، لأكتشف العوالم الأخرى التي تميز البحرين، الأزقة الضيقة، البيوت القديمة، المقاهي الرائعة، وصالات السينما، وحضور الفعاليات الكثيرة التي تحصل في البحرين، كل شهر أو شهرين، فدرست المسرح، وتعلمت اليوجا، ومواعدة الأصدقاء في المقاهي، والخروج معهم، وحضور فعاليات المسرح والموسيقى والفورميلا، وأصبحت للصديقات قصص، ولي أنا أيضاً الكثير من القصص، التي يحسدنني عليها الكثيرات، منذ العام الماضي والبحرين تعني لي، مرفأ وجنوناً عظيماً، واكتشافاً مذهلاً، من حضورحفل لمارسيل خليفة، إلى تعلم رقص السامبا، وغيرها على أيدي أجانب محترفين وموهوبين بشدّة، إلى الذهاب برفقة الأصدقاء نحو حلبة سباق السيارات، والعيش في أجواء رائعة من الخوف والسرعة والتشويق، بدت لي الحياة مثيرة للغاية، كنت أظن إن مثل هذه الحياة، سأجدها خارج حدود خليجي، في لندن كما أعتدت أو في باريس وسان دييغو، ماعدا ذلك، عليّ أن اكتفي بعّد الوقت لكي أصل لبيتي في مدينتي البحرية.
بدأت أتأقلم مع الأجواء في الجامعة، وبدأت أتعرف على الكثير من البحرينيات والبحرينيين، حدثتني صديقة لي، ضاحكة حينما جاءت لزيارتي في السعودية، لتقول لي، ولا أعرف سبب سردها لي ماحدث، أن شباب الصف الذي أدرس به، يعلقون على حقيبتي، فيسمون حقيبتي "البرّادة" أو "البقالة" باللهجة السعودية، يطلق البحرينيون على السوبرماركت الصغيرة، أو كما نسميها نحن هنا في السعودية "البقالة"، "براّدة" بتشديد الراء، وهي على مايبدو مأخوذة من تبريد الشئ، فقد كانت حقيبتي واسعة، لكي أضع بها كل مستلزماتي، فأنا أضع بها دفتر المحاضرات، وأقلامي، وقنينة مآء صغيرة، وسجادة صغيرة للصلاة، فالمسجد الموجود في الجامعة، بعيد بعض الشئ، عن مكان محاضراتي، فكنا نحن الطالبات أخترن مكان صغير نقوم بالصلاة فيه، حتى لا تفوتنا بقية المحاضرات، خاصة حينما تم رفع السجادات من المكان، ولا أعرف بأي حجة تم رفعها، فأصبحت كل طالبة تحرص على جلب سجادتها معها!!
وبالتأكيد أضع تفاحة صغيرة، وشوكلا، لأني أجوع بسرعة، وأتكاسل بالمرور على كافتيريا الجامعة، وأجلب دائماً معي، "المج" وهو كوب مغلق أضع به قهوتي، وأدخل به صف المحاضرة، وأقوم بشربه حتى لا أنام.. أظن بعد كل الذي قلته، لن أغضب حينما ضحك الطلبة على حقيبتي، أظن أن معهم حق، فهي تشبه البّرادة أو البقالة!!!!!!
لا تزال البحرين بلد يستحق الاكتشاف، وعليك أن تكتشف الناس قبل أن تكتشف المكان، أنها تتمازج كثيراً في مشاعري، خاصة حينما أعبر بعض أزقتها، وبيوتها المتلاصقة بعضها مع بعض، كما أتمنى أن لا يغضب أي بحريني مما كتبته، أنها مجرد وجهة نظر شخصية!!








































01 ديسمبر, 2006 05:51 ص