
كنت مستغرقة في كتابة بعض فصول روايتي، وفجأة قفز واحداً من أبطال روايتي، ليجلس عند طرف رأسي، يوشوش بأذني مايريد أن يقوله لي، كنت قد أعطيته أسم الدكتور "عمر السلاوي" خرج بين السطور، ليتحدث معي، وبسرعة شديدة، كتبت كل تفاصيل هذا الحوار، حتى لا أنسى سطراً أو كلمة، لقد أستمتعت جداً بالحديث معه، بعيداً عن عالمة الروائي المفعم بسادية الروح، كنت أريد أن افهمه أكثر، أن أعي تجربته الأنتقالية، من فرنسا ومروراً بتونس، وحتى وصولاً لأن يكون أستاذ قانون في الجامعة، أكثر ما أزعجني في تفاصيل بطولته الورقية، أنني توقفت عند نقطة تفصيلية شخصية معه في الرواية، وظللت لساعتين أفكر بمخرج جيد لعمر السلاوي التونسي، حاولت أن أعطيه جنسية أخرى، عالماً آخر، لكني وجدت أن يكون مغاربياً، هو أفضل إطار يناسب شخصيته المتمازجة، وحواري معه بدد تلك الغربة التي وجدتها معه، كان طيلة الرواية شخصاً كتوماً، يرفض البوح لي!!
معلش معلش خيرها في غيرها.. مبروك فوز الأهلي المصري على صفاقسي التونسي واحد صفر..!!
لم يكن لدي علم بالمباراة ولا بالمواجهة بين الطرفين.. كنت بعيداً عن كل هذا الهجاء الرياضي؟؟
المباراة انتهت قبل قليل لذا توقعت أن التوانسة مهتمين بنادي وطنهم !! لسوء حظ صفاقس التونسي لم يكن أحداً مهتماً..
كما تعرفين أنا مهتم في اشياء أخرى، لحسن حظي..تركت الهجاء الرياضي حينما عبرت الثانوية العامة، خلعت قميص المدرسة، وأخبرني والدي أن هناك قميصاً ملوناً يمكنني أن أرتديه، إن أردت أن أذهب إلى الجامعة به، ما أن لبست هذا القميص.. حتى أدركت أنني لن أكون إلا تلميذاً نابغاً، كنت أمّر على الحي الذي أسكنه.. فأسمع أصداء أصدقائي القدامي، صوت نحيبهم وضحكاتهم.. وخشونة ألآمهم حينما يسقطون على الأرض، ولكني كنت أضع رأسي في كتابي ولا أشتم رائحة أحد، أتعرفين ياسارة، كنت أستطيع أن أميز رائحة محمد.. عن رائحة متقي وعادي.. كل واحداً منهم كانت له رائحة، أعرفها وأعيش معها، لكني بدأت أعتاد على معرفتهم من خلال أصواتهم، دون حتى النظر إليهم، وأبدأ في تخيل وجوههم المتربة من فعل اللعب.. وهي تكبر، وتنضج، وتتعلم لغة لا يمكنني يوماً أن أجيدها، لم أكن أرفع رأسي من كتابي إلا حينما أقرر أن أنام، حينها ترى أمي التي أعّذبها بعشقي للأدب لون عيني، فتعرف أنّ علي أن أنام؟
ها.. ولسوء حظ صفاقس خسرت مشجّعاً مثلك، لازلت أضحك، أعجبني ذكائك للغاية، لا تتكلم عن نفسك كثيراً، لا تنغرز في وسط ذاكرتك، لا تشعلها كلها، أنك فقط تضئ الضوء، وعلينا تتبع الفكرة والنهاية، وتلمس الوجوه والآفاق. بدوت لي رجلاً مستقلاً، أنك تبدو بعيداً عن كل شيئ، لكني أشعر بأنك قريب من كل مايحيط بهذه الكرة الأرضية من مشاكل.. ذات مرة تخيلتك مسئولاً عن دقات قلبي حينما تسارعت، لم أصدق أن الدواء الذي أخذته على جرعتين هو السبب، حتى أني ظننت أنك السبب في هروب خادمة بيت الجيران، وحينما سمعت خرخشة صدر أبن أختي الصغير، آمنت بأنك المسئول عن كل مايحدث لكل هذا العالم.
لماذا لم تهمتم بالمباراة؟ ألا يعجبك نادي صفاقس؟ ولماذا لم تشاهد المباراة؟ ولماذا أبقيت نفسك بعيداً؟
أنا بعيد.. وأحياناً أشعر بأني خارج نطاق هذه الأرض، وهذا العشب وهذا الأرتطام الفضائي والبشري.. لا أعرف لماذا شعرت بأنك تمتدحيني.. لقد نقلت لك ما أعيشه بالضبط!!
لاأمدحك صدقني ..لا أحب التقرب إلى الأصدقاء بهذه الصورة.. لا أتملق أصدقائي الجدد.. أنما أشعر بأني بدأت أفهم رأسك.. طبيعتك الكونية.. رغباتك التي باتت تشكل بالنسبة لي هذياناً كبيراً..أني أنقل لك مافي رأسي فقط.. انا الآن اشرب شاياً أخضراً، وأدخن سجائر سويسرية فاخرة، بعلبة لونها أحمر، تبدو لي في غاية التميز، يحدها من أطرافها لوناً ذهبياً غانياً، لا أعرف إذا كنت جربتها مرة، لكن لأجل أن تشعر بأنك مرفهه، يمكنك حملها حتى، دون أستخدامها أو التظاهر بتعاطيها، أكثر مالفت أنتباهي هي فخامة العلبة، سيظن من ينظر إليها أنها عبارة عن صندوق صغير للهدايا، هذه السجائر أحضرها صديق لي أسمه أشرف كياني، يعمل طيارًا على متن خطوطنا، ويملك أقذر لسان رأيته في حياتي، صريح وبغيض بعض الشئ، لكنه قادر على أن يضحكني في نصف ثانية، أشعر ببطولته دائماً أمامي، أني أفشل في الكذب عليه، لأقول له كم أنا حزينة أو متعبة، فهو سريع الكذب، وسريع التنقل في أحاديثه، مزهواً دائماً بقصصة وحكايات مضيفاته الحسناوات، أني أنقل لك ما أعيشه .. بالضبط..
"صحة ليك" باللهجة المغاربية، أحسدك...!!
للعلم اتصلت على أشرف للتو فقد أشتقت له، سألته أين أنت؟ قال لي طيارتي نزلت في الفلبين! قلت له ياولد بّطل كذب. ربما سأجدك جالساً خلف دارنا، أمزح معه، أشرف شاب سعودي من أم مغاربيه، مجنون جداً، ينفع أن يكون بطلاً لقصصي، يأتيني بالهدايا مع قيمة الفاتورة، أقول له هذه ليست هدية يا أشرف، يقول لي وهل أعمل طيارًا، وأتعب حالي، حتى أشتري الهدايا للصديقات!!
ألم أخبرك أنه يصلح كثيراً أن يكون بطلاً لقصصي..
ومخاطبك هل ينفع لأي شئ؟ أني أبحث عن نفسي فيك، أحاول أن اجد عمر السلاوي بسارة مطر، تلك الصغيرة المجنونة، هل أنفع أن أكون الطاولة أم الكرسي، أم القلب، أم مكاناً آخر، ذات مرة قلت لأستاذي إذا كنت قد أن أنفع لشئ، فأني أريده أن يحولني إلى ذلك اللوح الخشبي الذي يقع خلف ظهره، لقد شعرت في لحظات أن هذا اللوح هو أهم شخص في مدرستي، ورغبت أن اكون مثله، أهم شخص يمكن أن يتعلم عليه الآف الأشخاص..اني اسألك هل مخاطبك ينفع لأي شئ؟
حتى الآن أبحث له عن قصة.. !!
"القصة" نجدها عندما نعيشها ياسارة!! كيف سأكون بطلاً.. وأنت لا تعيشين بداخلي.. ولا أجدك فيها ..
أظن ذلك..
اليوم أنا في مزاج حسن للغاية، أقرأ قصصاً وأخترع أفكاراً.. وتأتي أنت في منتصف كل هذه الأشياء يزاحمك كذبات أشرف وغيرة صديق قديم نفضت تاريخة قبل أربعة أشهر من حياتي، وضوء ذاكرتي، فا انتفض مذعوراً ليشتمني كل بداية شهر ونهايته على صدر زاويته الأسبوعية من كل خميس، يقول عني أشياءً أحبها بل أعبدها، أني تافهة ومغرورة، وأني لا أفهم شيئاً، ولا يعرف أنني أعشق كل ماسبق ذكره . يملئ حواشي زاويته، بترجمة لمفرداته تأكيداً على هويتي الأوروبية التي لا يطيقها، وتبقى أنت حاضراً في منتصف كل هذه الأشياء، الصداقة، الأعجاب المفرط، الخيانة، الشتيمة، القصص التي لم تنتهي بعد، الخروج عن القاعدة أو الأفق المستقيم، الصلاة، تراتيل القرآن، بحة الشيخ السكران، كل تلك الأشياء تسير حذوك!!
كتاباتك راقية ومغرية جداً ولو أنني لم أفهم معنى السطور الأخيرة؟؟
حينما تعرفني جيداً ستفهم كل السطور التي أخترعها لك..
لدي سر جميل سأخبرك به غداً.. سأتصل بك حالما أصل إلى العاصمة، برفقة صديقتي، وهي أجن صديقة يمكنك أن تقابلها أو تتعرف عليها، تلك التي أوهمت البعض أنها مطربة، وأنها تغني وتؤلف الأغاني، وذات مرة حكت قصة غريبة، لرجل غريب أحب التعرف علينا، وكنا نمضي الوقت نحتسي الشوربة ونأكل المكرونة بالصلصة البيضاء، في المطعم الأيطالي، ذو اللوحات الكبيرة المعلقة على جدرانه، لرسامين يخافون أن يكشفوا أسماءهم، قصتها أبكتني رغم أنها من اختراعها، وكان لابد لي أن اتأثر وابكي وأتوجع، فقد كانت صادقة حتى في تفاصيل كذبها، وجعلت من نفسها الضحية، كل ذلك.. لأنها تريد أن تستمتع بجنونها العظيم.. ذات مرة جلست تنتظر صحفياً حتى يخرج، لتقول له بعد اربع ساعات من الأنتظار.. أنت حقير..وسافل وخمرجي.. وسألتني إذا كانت كلمة خمرجي شتيمة أم أنها إضافة بروتوكولية له أم لا؟؟ سألتها هل أنت مهتمة بحقارة الصحفي الشهير..قالت لا.. ولكني رأيته في التلفزيون وشعرت بانه مغرور.. ورغبت في شتمه وليعرف أني شتمته في الشارع أمام الناس وليس في مكتبه.. لكن أربع ساعات..!!!!
هكذا أمز شفتي أمامها .. تقول لي.. نعم كنت مستمتعة وأنا انتظره كي أشتمه.. جربي سارة أن تشتمي أي شخص أساء إليكِ.. قلت لها لا أقدر لا يمكنني فعل ذلك.. شخص يسئ لي، معناه أنه لم يستطع أن يستدرك هويتي من الداخل .. لم يجرب الوصول إلى قارتي.. ومافعله لي لهو أهانة له قبل أن يكون الأمر أهانة لي..لكني حديثي لم يعجبها.. أخبرتني أن أذهب إلى صديق سابق، كان قد أمتهن الحديث عن عمل لم نستطع أن نكمله مع بعضنا البعض، كان موهوباً بالرسم، وكنت موهوبة برواية القصص، وحينما فشل الكتاب، لم نستطع أن نتواءم مع بعضنا، الكيمياء التي بداخلنا لم تتحد مطلقاً، ظل يحيك الروايات على ظهور الكتاب، حتى بعد أن توقف العمل، أنها تطلب مني أن اشتمه!! لكني انتصر لسارة دائماً وابداً..بأن أتجاهل كل مافعله ذلك الصديق، وأيّ صديق لا يحترم فشل إستمرار هذه العلاقة.
في الغد قررنا أنا وزين ان نأتي إلى العاصمة، ونمارس مهنة الأحتيال والسرقة، ماذا نسرق وكيف سنسرق لا نعرف؟ ولكننا سنسرق أي شيئ.. حتى لو كانت أرواحنا التي تحمينا..
أنتظرني في الغد.. السر جميل ويسعدني أن أسعدك معي !!
حسناً .. أتعرفين من تشبهين في أسلوبك..؟
أخبرني صديق ذات مرة.. ما أكثرهم الأصدقاء!! أني اسلوبي يشبه البرتوامورافيا..
خاصة في روايته الأنتباه..
نعم أني أراكِ جيداً بها.. أنك الراوي ياسارة..الرواي وليست قطعة الكعك الصغيرة..
































28 نوفمبر, 2006 09:34 ص