
الأضافات الأدبية اللغوية: سارة مطر
هل راودتك الرغبة ذات مساء،أن تمد يدك لتمسك الهواء، كطفل يعبث في صندوقه السحري، ليخرج الأرانب وغمامات الثلج وغمازات الصور، هل تخيلت نفسك مرة وأنت تقفز من على متن طائرة صغيرة، لا تشبه طائراتك الورقية التي تصنعها في طفولتك وتطيرها في السماء، كلما تناهى إلى سمعك بخبر بسفر والدك، الذي يفاجئك على حين غفلة، كلما جئت إليه لتخبره بقصصك المدرسية، بثوبك الأبيض الذي يتحول بفعل الكرة، وخناقات الطريق، والضحكات الموسمية التي تطلقها بلا حساب، إلى قطعة صغيرة، عليك أن تزيحها بلا ضجر. شيئاً ما يزحف على ذاكرتك، ويهشم رائحة الزجاج، هل تصورت نفسك تسبح برعونة الغزلان البرية، من أرتفاع يكاد يتجاوز ال11 ألف قدم، هل تخيلت شعورك الحاشد في روحك، يباغتك كعيد ميلادك، نقياً، لطيفاً، مرحاً، وفياضاً بالموسيقى وطرب الغانيات، بتلك الريح التي سوف تسبح ضدها أو معها، بتلك اللحظة التي ستشعر بها أن السماء تستريح على كفيك، لتكون ملكاً لك وحدك، تطيرها كالفراشات وتتقاسمها برفقة العصافير وصغار الملائكة، وحيداً ومليئاً بالأمل في البقاء أكثر على قيد الحياة، هذا ماستشعر به وأنت تمارس القفز الحر، ومن أرتفاع يبلغ مداه ال130 متر، تلك القفزة المكشوفة لدرء فضولك اللامعتاد، لن تكلفك سوى لحظة حاسمة من الدقائق، لكي تكون بالفعل ممسكاً بالهواء، كما تخيلت في طفولتك العذبة وكما أشتهيت!!
مثل هذه التجربة الحرة، نحتاجها جميعنا كي نكون متحررين من كل شيء، من أصابعنا التي تدف البندول المتمايل على جدار الغرفة، من عقدنا التي ألفناها، حتى أعتدنا عليها وتكاد لا تعتقنا، من رؤسنا المغلقة، وأجسادنا التي نقتلعها من أسرتنا كل صباح ولا نعرف إذا كنا نملكها أو تملكنا، كثير من الناس سيقولون أنهم لا يملكون الشجاعة الكافية للقيام بتجربة التحليق الشراعي، أو مايسمى بالتحليق الحرّ، تلك الفكرة التي أذهلت الكثيرين، وبقينا نحن مذهولين دون مرور بفعل التجربة أو مايدفعنا لأجترار المغامرة.
عريسين يعقدان قرانهما وهما يمارسان التحليق الحر، لتبقى تلك التجربة حاضنة الأفراح بلا صدى الخسارة، ممارسة كل رعونتها في الفضاء، بلا زوايا أو مجاميع متكسدة لنثر الأرز والورد على رؤوس العرسان، أظن ان حياتهما ستكون أكثر جنوناً مما فعلوه، أنها لحظة تاريخية ستؤرخ طبيعة حياتهما اللا مستقرة، هكذا أنا وهكذا رأسي تعمل، ربما لأني حينما قدت طائرة الهليوكبتر لم أستطع أن اعاود النظر إلى ماهو أقل من ذلك، وكأنه يبدأ العالم ينبت من أظافر يدي وهكذا ينتهي، فكنت أفكر بأبعد من التحليق بالسماء، أشياء اخرى بدأت تقفز على رأسي، بل بدأت تمطر، تمر الكائنات اللغوية في كامل أناقتها أمامي لتحرضني على العاشر من هذا الشهر، تلك التي تلد المسافات الفضائية سراباً من الوجود!!
ولكن هذه الفكرة والتي أعني بها "التحليق الشراعي- الحر" بالنسبة لخالد الخريجي، وهو شاب سعودي ضعيف البصر، يبلغ الثانية والعشرين من عمره، كانت بمثابة الحلم والهدف الذي يسعى لتحقيقه، كل ماكان يرغب خالد به هو التحليق في السماء، أن يفرد جناحيه للريح، لكي يتحرر من عينيه التي يكاد تماماً لا يرى بهما، لكي يعيش تجربة مجنونة أكثر خطورة، من أن يفقد كلتا عيينه تماماً، أنه حاول أن يتحرر من ذاك الحلم الذي أخافه فأضحكه، كان واضحاً جداً هكذا قال خالد - كان في حزمة ألوان، ماقام به خالد فاقد البصر، هي محاولة لأعادة صياغة رأسه و تأطير أحلامه الزاهية كما هم رجال المريخ.
خالد الذي يدرس في امريكا، كان خائفاً من فكرة السفر، ومن فكرة خروجه خارج حدود وطنه وقبيلته، فاقدي النظر لديهم هاجس مخيف من فكرة تغير الأماكن، ومن فكرة الخروج تماماً خارج أماكنهم التي بدأو يعتادوا عليها، وبدت تمثل بالنسبة لهم، حياتهم الأساسية، خوف خالد يعود بسبب الأوضاع السياسية التي نعرفها وتمارس علينا ضغوطاً نفسية، تفوق مانتحمله، لكنه الآن يقوم بزيارة كولورادو، من أجل تحقيق حلمه بالتحليق الشراعي..
خالد يقول لمحدثه حينما سأله عن شعوره ورغبته في التحليق..
" كنت أفكر بأنه من المحتمل أن يكون شيئاً ممتعاً علىّ القيام به".
زهير مهد صديق الخريجي، جاء برفقته وهو شاب سعودي ايضاً وأعمى بالكامل، أشعر بالحب تجاهما، يغلبني الزهو بحب الأصدقاء من مآء الوجود، حتى وأنا اقوم بترجمة المقالة، لقد أبكاني وجود زهير برفقة خالد وهو يعرف بأنه لن يتمكن إلا من الشعور بالهواء، الذي سيحف به جسد خالدـ وهو يحلق برفقة مرافق خاص به، الصور الشخصية التي حصلت عليها، بدا خالد فيها سعيداً للغاية، ومرافقه يحتضنه من الخلف، خوفاً عليه من السقوط، أشرع خالد قلبه للريح، فبدأ وجهه مشرئباً بالفرح، وكأنه خلق لكي يحلق في السماء طيلة حياته، أيها الرائع ياخالد، كم أنت محظوظ!
زهير يقول للصحيفة التي ألتقت به، إننا كفاقدي النظر، حالنا مثل حال جميع المكفوفين في العالم، ونحن في الغالب مانكون محصنين، وخروجنا من المنزل بمفردهنا يعتبر مجازفة ومخاطرة!!
" يقال لنا بإستمرار كمكفوفين، لا يمكنكم القيام بهذا أو ذاك، وأنه لأمر مدهش بالنسبة لي أن أرى شخص مثل خالد يقدم على هذه الخطوة الجريئة، بعينين لا يمكنها أن ترى أبعد مما هو"..
ما أن انتهى خالد من تلك التجربة التي عايشاها، أخبر الجميع بأن وبالرغم من عدم قدرته على رؤية جزء كبير من مشهد القفز، لكنه أستطاع أن يشعر به.. " كنت أستمع إلى صوت الهواء والرياح.. ياله من أمر في غاية الروعة"..
سيعود خالد الأسبوع القادم إلى السعودية، "هذا ماكتبته الصحيفة والتي كانت قد نشرت الحوار العام الماضي" ليقوم بتدريس اللغة الأنجليزية واللغويات في واحدة من جامعات المملكة. ويقول بأنه يخطط للقيام بالتحليق الشراعي مرة أخرى في العام المقبل..
أظن أنني لن أستطع أن أوفي لخالد أو لزهير مهد، حقهما من الشعور بالفخر تجاهما، ولو كان الأمر بيدي لأقتلعت واحدة من عيني لأعطيهما أياها، كما تبدو الحياة جميلة إذا استطعنا النظر إليها كما يراها خالد الخريجي أو زهير، تحية محبة لكل المحرومين من متعة البصر، أي كلمة مني لن تكون كافية لهما، أجدني عاجزة عن استدراك المغزى العميق الذي هدف به خالد، وكأنه يقول لنا ولأصدقائه المكفوفين، أن فقداني لبصيرتي لن تحرمني من متعة الجنون والمغامرة في السماء!!
يمكنك زيارة الصحيفة التي كتبت عن تجربة خالد على هذا الرابط..
























20 نوفمبر, 2006 03:10 م