
قالت لي وهي تعود إلى مكتبها وإلى الجلوس خالف طاولة المحاسبة، لا أبيع في مكتبتي شيئاً أسمه لا اعرف، أريدك أن تعرفي وتأتين إلي هنا، لكي أبيعك ما تعرفيه؟ خرجت من المكتبة أحمل معي، عدم فهمي للأشياء، ودانوا ترفض مشاركتي في لعبة الفهم، أنا أحب لأني أريد أن اعرف، تحديت مرة صديق كان يشاركني المدرسة، وذهبنا لكي نسبح كنت أريد أن اكتشف إذا كنت استطيع أن ابقي على قيد الحياة، وسط المسبح لأطول فترة دون أن يكتشفني الآخرين، ودخلت المسبح وأختفيت، ضعت داخله، ولا اعرف حتى الآن، كيف خرجت وكيف كان صياح بنين وهذا هو اسمه، وقهره ونحيبه عليّ، لكني عرفت كيف يمكن أن يمر المرء بفكرة الموت، أنك تنسى كل اللحظات التي تصل بها إلى مرحلة الموت، وحينما تسافر إلى هناك، لا تتذكر سوى اللحظة ما قبل الأخيرة، بعدها تلغي ذاكرتك كل نشاطها الذهني، تعوم خلف أحلامك، ترى طفولتك البغيضة والجميلة، شجاراتك الناقصة مع أبناء عمومتك وصغار الحي، ترى بوضوح غريب ضحكات والدك، وهو يستقبلك صغيراً طرياً كالعلقة، هل كان والدي سعيداً بوجودي في حياته؟ هل كانت جدتي وهي ترفعني إليه ضاحكة، مسميه مهلله بكل آيات القرآن، ملتحفة بأطوار السعادة المختلفة، بهية لوجودي وولادتي في المستشفى الفرنسي؟ لم أرى بنين بعد تلك الحادثة التي كادت أن تقضي عليه، خاف من معرفتي المبكرة، ومن جنوني الذي لا يناسب طفولته الغبية، ولا يناسب بدلته الرسمية التي كان يرتديها، وكأنه مدرّس في صفوف الجامعة، كان بنين قادراً على قتل طفولته، حتى بالخوف من ضرب العصافير بالحجارة الصغيرة!!
لم أستطع أن أنام، فتحت شباك غرفتي وكعادة كل المساءات اللندنية، كانت السماء تمطر، ترخي أسدالها على شباكي، وأشرع في تقبيل الهواء والسكون عليه، فتحت قميص بيجامتي وأشرعت في عض شفتي، وبكيت بحرقة، كان قلبي يؤلمني. بعد أن خرجت من الأكاديمية التي كنت أدرس بها ظهر اليوم، قررت أن اترك رفقائي وأسير وحدي، قادتني قدماي إلى عيادة الطبيب الباكستاني صديق العائلة، طبيب القلب، الذي كثيراً ما اهتم بجدتي، وأهتم بقلبها وبقلوبنا جميعاً، طرقت باب عيادته، وقلت له أن قلبي يوجعني، فضحك وقرص خدي، ولمس كتفي ونظر إلي وقال، لازلت صغيرة على الوجع، أتذكر هيئتي ذلك النهار الملئ بفراشات الضباب، كنت أرتدي تنورتي الدراسية داكنة الخضرة، وأضع على جسدي قميصاً أبيضاً، شعري كان صاعقة من الجمال، قلت له، أريد أن أجري تخطيطاً لقلبي، أبتسم ولم يقل لي د.طاهر خان أي كلمة، اكتفى بأن طلب من الممرضة ان تجري لي تخطيطاً على القلب، بناءاً على طلبي، القيت بجسدي ذو 45 غراماً، على السرير العلاجي الأبيض، وخلعت قميصي، ثبتت الشرائط المعدنية وتلك الأسلاك في كل اتجاه، إلى كل ما يحيط بقلبي المسكين، مسكين ياقلبي، ضعيف ياقلبي، مهزوم ياقلبي، وضع حامل النبضات على أبهام أصبعي، وشرعت في البكاء، تذكرت أن هذا ماتفعله جدتي، في كل مرة يدق قلبها الكبير، ويسرع في النبض، كنت أريد أن أمرّ بشعورها القاسي، لأنها لم تكن تشتكي مطلقاً، لا تقول هذا مرُ وهذا مالح، أنها قوية جداً، ليتها لم تمت، ليتني كنت اكبر قليلاً حتى أكون، قد وصلت لمرحلة الأشباع العاطفي منها، تلتهم عشرون حبة لتحافظ على صحتها، وأشعر بمرارة الحبوب في فمها قبل أن تصل، مرة طلبت منها أن تجعلني آكلها بدلاً منها، كنت أظن أنه يمكنني أن أتناول حبوبها، وستشفى لأنها جزءاً منها، وأنا كلي منها، أن دمي هو دمها، فلو تناولتُ الحبوب الملونة الكثيرة، التي تهلك جدار معدتها، ستطيب أنا متأكدة من ذلك؟ قلت لها ذلك، رجوتها لكنها بقوتها وجبروتها كانت تكتفي بتحسس شعري، وقول أنت جميلة جداً ياسارة.. وستجدين عرساناً كثر حينما تكبرين؟؟
ها انذا أجلس على سرير العلاج في عيادة طبيب القلب، وعمري ستة عشر وأجري تخطيطاً لقلبي، الثم دموعي التي نزلت، قلبي يحترق.. أكتشفت الآن أني أحبه جداً، لقد أحببت لقائي الأول معه، كان بعمر أو أقل بقليل من عمر أمي، لكني أريده ولا أريد أن أفرّط في علاقتي معه!!
خرجت الورقة الوردية، رسمت بداخلها خطوطاً طويلة، أعدت ارتداء ملابسي، عدلت التنورة، زرّرت قميصي، وضبطت شعري، جلست على الكرسي، قال لي هل تعرفين القراءة، تفحصت الورقة خطوطاً لا اعرفها، رأيتها كثيراً على شاشة التلفزيون، في افلام السينما حينما يبتلع البطل دموعه، وهو ينظر إلى الطبيب، يقول له الطبيب اشياءٍ تسعده، وكثيراً من الأوقات اشياءٍ تبغضه، وأنا علي هذه المرة أن أقرأ لأكتشف مايسعدني أو مايغضبني، قرأت ماكتب بخط صغير مرر عبر طابعة التخطيط، normal قرأتها وعرفت سر ابتسامة الطبيب لي، قبل جبيني، وقال لي مايؤلمك ليس قلبك، وأنما عليك أن تبحثي عنه، خرجت احمل ورقة EKG معي انظر إليها، واطلب من الله أن لا تمطر السماء في عودتي إلى البيت، استقل باصاً يضعني بالقرب من شارعنا، أجلس وحيدة على كرسي انتظار، والمطر يسقط في قلبي، واتساءل بمرارة كيف سأكبر وكيف سأعرف أني كبرت، كيف سأعرف القدر، وكيف سأعرف الجنون، جلس بجانبي صديق انجليزي أحبني وأحببته لأعرف كيف أحب طفلاً انجليزياً، وكيف سيعلمني الحب البارد، وتهجئة الكلمات الدافئة والذهاب إلى السينما والرقص في الحفلات، ولعق القبلات عبر جدران الغرف المحمية من البرد، لم أشعر به، مسك بيدي، كانت يده باردة جداً، أما أنا فقد كنت كومة نار، رجع بجسده البض وقال بألم هل أنت مريضة؟ قلت له للتو عدت من الطبيب، نظر لي، ولم يشرع في تقبيلي ولم يقل لي شيئاً، لقد كان ينظر إليّ "ليس كمثله شئ وهو السميع البصير"، اكتشفت متأخرة أنني كنت ابكي، ولم يكن قد أعتاد على رؤيتي باكية توقف جامداً أمام صورتي، لكنه كاد أن يكسر يدي من كثر ماضغط عليها، أستسلمت لمطري الداخلي، وقررت أن اذهب إلى البيت، لعلي أنسى مع صياح أخوتي الكبار، وغمزات أبناء عمومتي الذين قرروا أن يمضواً اسابيعاً عندنا، كنت أريد أن اكتشف، لماذا لم اعرف كيف أن ارسم، لماذا لم افلح في التخلص من رغبتي في الحديث عن أسراري، لماذا أستعجل نهمي وشغفي، لقد جربت قبل أشهر أن اظهر في فيلم وثائقي لصديق، مجنونة، لم أفكر ماذا سأقول لعائلتي، لو اكتشفت وجودي في هذا الفيلم، اخبرني صديقي الذي قام بوضع فكرة السيناريو لهذا الفيلم التوثيقي، انه يحلم أن يقوم ذات عام بتوثيق حياتي، تذكرت خيباتي التي لا اعرف كيف تخلصت منها، ولم أعد أتذكر سوى تلك اللحظات الحميمية التي لا تنسى أبداً.
في السادسة عشر.. أحببت الرجل الأربعيني، وكأني قد قررت أن لا يكون هناك حب بعده، لم أتأثر بالحب أكثر من أنني نسيت ذات صباح مدرسي، أن اكتب أسمي..فكتبت أسمه.. وعرفت بعدها أنني لن استطيع أن امضي سنوات عمري من دون وجوده، وقررت أن أعطيه يدي كي يقودني للعالم، كنت أريد أن اكتشف نفسي، أن اكتشف الحريق في قلبي، ماذا أحب؟ وماذا أكره؟ ولماذا أحب اللون الأزرق ولا أحب اللون الأخضر؟ ولماذا هذا أجمل وذاك أفضل، لماذا أحب السينما ولا أحب تصفح الجرائد، لماذا أجد نفسي في أحلامي، أفكر بالرؤوس التي ارسمها ولا أعرف لمن تكون، سلمته يدي، فسلمني حياتي الجديدة بكل مغامراتها، وبكل بطولاتها، نايف أبن عمي، حررني من غربتي الأولى، أخبرني عن مدينة تدعى نيويورك، قص علي قصصاً زائفة، وكاذبة، ولكنها أعجبتني، فكرت طيلة نهاراتي التي تلت السادسة عشر، أن أذهب إلى نيويورك لعلي أجد نفسي فيها بعيداً عن كل الحريق الذي يغمر حياتي ومراهقتي المبكرة، أخذتني غربتي برفقة عائلتي لأقيم في نيويورك عاماً بأكمله، بحثت عن الرجل الأربعيني، وعن قميصي الضيق، وعن الهواء الذي رفض أن يخرج من صدري، عن الشوكة التي علقت، عن الأفلام التي قصصتها عليه، عن اللحظات التي كانت تصرعنا ونصارعها، عن اللحظة التي وقف فيها مودعاً لي، وهو يمسك مظلته باكياً، في نيويورك تعلمت كيف لي أن أحب تلك المدينة، تحداني أبن عمي وكان يقضي وقت فراغه في تعلم الطيران، وكنت أنا اقضي وقتي في تذكر كل ابتسامات الرجل الأربعيني، الذي أصبح في عيد ميلادي الثامن عشر ملكاً لي، وكنت قد دخلت أعوامي السبعة عشر، حصلت على حياتي، وهناك حتى أعرف العالم، تعلمت الطيران، ركبت هليوكبتر مساء عشية عيد ميلادي، كانت هدية عمري الذي كان يطوف ركبته تجاه السابعة عشر، كانت أجمل هدية حصلت عليها، الهواء البارد الذي لحق جسدي، الصور الكثيرة التي علمني مدربي كيف ألتقطها من سماء نيويورك، تمثال الحرية الذي كدت أن اتجمد وأنا اقف فوق راسه مباشرة، الناس المارين تجاه مسارح شارع برودواي، المطاعم الراقية التي أستقبلت العشاق والأزواج ورجال الأعمال، الصبية في حي هارلم، شارع وول ستريت الشهير، مبني الأمباير ستيت الشهير، مركز التجارة قبل أنهياره، مبنى الأمم المتحدة، مركز لنكولن، ها أنذا أطوف تجاه متحف المنيروبوليتان، الجامعات المضاءة بلمبات الكريسماس، الأحياء المباني الرائعة، حديقة سنترال بارك، الحي الصيني الذي غرقت في طابعه الغريب الذي ينقلك مباشرة إلى شنغهاي، كان مساءٍ مختلفاً مغايراً، مصاباً بالجنون، لحظتها قلت للرجل الأربعيني، لو قدر لي أن اختار لحظة موتي، لأخترت هذه اللحظة، لأني شعرت وقتها أني حصلت على كل شيء مرة واحدة، ها أنذا أرى العالم بإتجاه آخر، أطوف العالم وحدي، بطائرة جميلة وصغيرة، تعلمني كيف يمكنك أن تشاهد أصدقائك دون أن يروك، كيف تحكم على المارقين والمارين دون مواجهة صاخبة، أنها نيويورك التي علمتني كيف أتخلص من قميصي، وأن أبقي سارة في حياة مختلفة، نيويورك قادتني في عمري الثامن عشر، لأن أكون ملكاً للرجل الأربعيني..
























03 نوفمبر, 2006 02:47 م