

اليوم .. هي ليلة العيد.. أقضيها بين مسجات باردة تأتيني على هاتفي المحمول.. وبين الرغبة في التدخين.. أكتشف مصادفة أن لدي صداع يفتك برأسي.. فظننت أن للصداع رابط بينه وبين معدتي.. فأنا لم أتناول إلا طعاماً خفيفاً.. وتذكرت رائحة الطعام.. وكدت أستفرغ كل مافي معدتي من مآء.. لا أحب الطعام كثيراً..!!
وجئت إليك كي أهرب من رائحة الشواء والعراك.. من قسطينة أحلام مستغانمي.. ومن ثأر الحجاج.. ودفقة فؤاد الحسين.. قررت أن أوقظ ضوء السينما التي زرعتها في غرفتي الخاصة.. لدي بروجكت.. وكراسي ضخمة حمراء.. يمكنك حينما تمل ذات مساء من صالات السينما في مدينتك أن تأتي إلى هنا.. لتشعر بكثير من الراحة.. وبكثير من التحرر.. من الطرق الجانبية ومن الطين الذي بات يلوث عتبة باب بيتكم .. ومن التشابك بالشتائم الصباحية لراكبي التاكسي.. يمكنك هنا أن تبكي ويحق لك أن تشتم.. وأن ترمي كل مايتبقى من طعامك لأقرب سلة قمامة وضعتها قريبة جداً من الكراسي.. قررت الليلة أن أشاهد فيلم الجيشا.. وحيدة جداً.. أستعذب اليوم وحدتي، بعد أن أغلقت كل أجهزة هواتفي المحمولة.. وقررت أن اتوائم بالفاصلة والضوء مع سارة.. لحظتها تذكرتك.. تذكرت أين أجدك على الدوام.. وقررت أن أنزع جسدي من على الكرسي الموضوع أمام شاشة السينما البيتية.. أركض تجاه مزاجيتك وأنت تسمع لعازف أعمى موسيقى طارئة.. وأنت تعرف كم أستعذب الأنصات..سأقضي نصف ساعة أسمع لك دون أن اقاطعك.. ولأني اكتشفت أن الصداع لم ينتهي.. لن أتناول حبة بنادول.. لأكتشف إذا ماكان حديثك سيقتل صداع رأسي أم لا؟

22 أكتوبر
استيقظت هذا الصباح مبكراً.. ثلاث أو ربما أربع ساعات كانت كافيه لكي أستيقظ.. خرجت من جدار غرفتي.. أخذت وعودي من عمتي الوحيدة.. قميص النوم ذو الوردة البنفسجية.. اليوم اشتقت إليه كثيراً.. تحممت.. تريضت في فناء البيت الكبير.. أدرت ظهري لمخابئ الله .. والسماء والطارق.. والفاتحة.. وأطلقت شعري.. كنت في كل تلك اللحظات.. يشغلني التفكير فيه..
كلما خرجت لي صفحة بالأبيض والأسود.. أشغلتها بألوان أختي الصغيرة.. فلونت تاريخه وتاريخي.. أتساءل كيف يكون طعم الشوكلا السويسرية في فمة.. لم أزل صائمة.. أنظر إلى هدايا العيد التي أحضرها قبل العيد بفترة.. وكأنه بذلك يراضيني.. يغامر باستدراك مامضى من حياتي المتبقية معه!!
يخيل لي أني لو فتحت ثلاجة البيت.. لأخرج ألواح الشوكلا المذهبة بالأحمر والأصفر القاني.. لوجدته جالساً ينتظرني يزيح بقايا الشوكلا من على طرف فمي..
أني أكاد أتوجع.. بل أقاوم بكائي وعنادي وصلابتي التي كنت أظنها بي ذات يوم..
أحسد نفسي أني قرأتك بقليل من الهدوء.. لم يكن شيئاً عالقاً في رأسي سواه.. لذا أتخيله يمضي الوقت معي.. يقرأك معي.. أنه الآن يشاركني جنوني.. أضع اللاب توب بطريقة مختلفة.. وأبدأ في قراءاتك.. سيكون ثائراً على جنوني.. سيعض يديّ.. كعادته حينما يمارس دور الفتى الأشقر.. وحينما أبكي.. سيأتي ليقول لي سامحيني..
كتابة غارقة في فحش الألم.. اكتشفت أن القراءة للجنون.. هو العقل بذاته..
إذاً أنا عاقلة الآن.. بل شديدة العقل..

13 أكتوبر
لماذا تذكّريني بالمساءات المملة.. حينما أهرب من قصص الحب التي أدمت قلبي.. تصبح كل الليالي باردة.. ومملة جداً.. افتح قميصي.. واستولي على قلبي.. أجده كومه من الثلج..
تلك إذا المساءات المملة.. حينما يترك لي واحداً من العابرين تذكرة وداع.. إما مسافراً أو تاركاً حياتي.. عند منتصف الليل.. تاركاً الولوج للباب.. مهملاً ستائر الغرف الضيقة.. أسوأ تلك الليالي.. حينما قرر أسامة العودة إلى جنيف حيث دراسته.. حيث لايمل من قراءة الجريدة كل صباح.. ولا يخجل من أكل الآيس كريم في الشارع.. يضع شجرة عيد الميلاد..ويمارس طقوس والدته حيث يكون وطنها.. وحيث دينها والمسيح.. كان قد أخبرني قبل أسبوع واحد.. حينما كان يشتري كتباً وأشرطة موسيقى.. من فيرجن الواقع بالسولدير.. يختار موسيقاه التي يحبها.. وكتب الرسم التي يعشقها.. يلون بها تعبه الواضح وملله من البرد.. قال لي وهو ينظر إلى ساحة الشهداء.. انه أصبح لا يطيق البعد عندي.. وأنه بدا يمّل من شقته ومن الفواتير الكثيرة.. التي يجدها في صندوق بريده، ويضطر لأن يرسلها لوالده.. بدأ يمّل البرد...والأعتناء بسيارته الجميلة.. وحمل الشمسية على الدوام.. بدأ يمل الضجر والصمت وقرقعة الكؤوس في ليالي الاحاد.. وحكايات البنات الشقراوات اللاتي لم يمللن من ملاحقته..
حينها شعرت بالفرحة.. وبدأت اتسلى بالليل نلعب النرد سوياً.. ونخلع أحذيتنا ونطير لأقرب جار قمر..
بعد أسبوعين.. جاءني أسامة ليقول لي.. أن عليه أن يعاود الدراسة إلى جنيف.. وقال لي باحثاً عن كلمة لا تقتلني ولا تهين كبريائي الذي بدأت أعتاد على السكون عليه.. إننا لازلنا صغاراً.. يمكننا أن نتعلم الشوق والبعد.. وبعد أعوام سنكبر لنكون برفقة بعض.. وسافر..
بدأت أحصي الليالي.. وأحصي سأمي وبدأت أقصقص الورق من المجلات التافهة.. وأسامه لا يغادرني.. والمساءات المالحة لا تزال تتناوب على إجهاض روحي..

10 أكتوبر
هل أخبرتك يوماً أني أحب الفنانة سولاف فواخرجي.. أحب عينيها الواسعتين.. أحبها حينما تتكلم مع حبيبها على شاشة التلفزيون.. أظل أتأملها وأبكي بلا توقف.. أحتاج لشمسية أسامة كي تحميني من كل هذا البكاء.. ومن كل هذا الإحساس الذي تعبره لي سولاف وهي تسحب السيجارة من فمها وتتلوع أمام لوحة رسمها حبيبها.. تمسك علبة الألوان.. وتغرس أصبعها.. وتحركه على اللوحة الناقصة.. تمص أصبعها.. تقول وهي تخفي كل شئ يقتل قلبها.. أنها أعتادت على لحس الألوان منذ كانت صغيرة.. قالتها ومشت.. حينما تبكي على ذراعه.. وحينما تسدل جفونها برقة.. تذكرني بتاريخي الذي لا يمكنني أن أنساه.. أحبها وهي تبكي.. أحب شعورها القاسي حينما تحدث بطلها.. كل من يقف أمامها يصبح بطلاً.. حتى لو لم يكن ذا شأن.. فيكفي أنه وقف أمامها.. دموع سولاف الدافقة لحريق يعجزه الماء.. تصيبني بالتوتر أبكي حياتي وأبكي قصتي!!
أحب سولاف.. خاصة في مسلسلها "ذكريات الزمن القادم" لأنها تذكرني بنفسي.. وبقصيدة لغوته يقول فيها.. صبياً كنت عزوفاً عنيداً..شاباً كنت مغروراً متهوراً..شيخاً كنت ذا طيش ورعونة.. وعلى مشاهد قبرك.. سيقرأ الناس أنك كنت دائماً إنساناً حقيقياً..






























25 اكتوبر, 2006 10:25 م