
حدثتني متوترة عن رغبتها في الخروج من ديكتاتورية والدها، تنظر إلي وهي تقود سيارتها ببطء حتى لا أصرخ وأربكها!! تسألني هل تخشين والدك؟ أبتسم لها، وأنسى إجابتي على سؤالها، تأتي صورة والدي في رأسي، جميلة لحد البكاء، أتذكر حادث السير الذي كدت أفقد به حياتي، كان طارق أبن عمي يقود سيارته الجديدة، ونحن برفقته، خارجين من الجنة متسلقين الضوء ورائحة البحر, متجهين إلى مونتوكارلو، كنا سعداء جداً نضحك ونغني ونحكي القصص، وفجأة صادفتنا سيارة لشاب مخمور، يفقد توازنه بسبب سرعته الشديدة، ويهشم سيارتنا، وأصيب أنا إصابات بالغة، كل ما أتذكره من تلك الفاصلة في حياتي، ليست الصور التي ألتقطتها لي بنات عمومتي الكثر، وأنا أعاود النهوض للحياة مرة أخرى، ولا بكاء طارق المرير, ونحيبه المتواصل في غرفتي كل ليلة, حينما يذهب الجميع ويبقى هو عند قدمي لاثماً إياها بوجهه، لقد كاد الحزن يقتله أكثر مني، راغباً اكثر في الموت بعد ذلك الحادث المروع، ولكن الذي عرفته أنه بعد الحادث، حدثني الكثيرين عن ألم والدي بفاجعة فقدانه المحتمل لأبنته، كان يبكي بكاءٍ مريراً كي أعيش، تخرج الدموع من عينيه وكفيه وقلبه وأنفه الفرنسي الضخم, حتى دفعه ألمه لتقبيل يدّي الدكتور الفرنسي الذي أشرف على علاجي، ليقول له: أرجوك دعها تعيش.. أفعل لها شيئاً..لازالت صغيرة.. دعها تعيش!!
يتمنى الآباء دوماً موتهم على أن يروا واحداً من أبنائهم يفارق حياته مبكراً أمام عينيه..
هذه هي حياتي التي كتبت عنها فتاة لا تعرفني أنها تافهة، إذا كانت حياتي الصاعقة، المليئة بالقصص والشخصيات والكتاب والمسرحيين وأشهر الصعاليك والمهمشين، لاتزن مقدار حبة رمل ماذا ستكون عليه حياتها المجهضة بالخيبة، كثيراً ما أشكر الله انه أعادني للحياة مرة أخرى، كيف بعد كل هذا يمكنني أن اكره والدي، الذي هرم فجأة بعد حادثي الشهير، والذي كتبت عنه صحف كثيرة تصدر في لندن باللغة العربية، كان حادثاً بشعاًً، مؤلماً، قاسياً لأبعد مايمكن تصوره، زارني الكثيرون، خاصة من أصدقائنا العرب الذين يقطنون لندن كلاجئين ومغتربين وهاربين من قصاص حكوماتهم، مسد شعري الشاعر العراقي المنفي، وجاءني حزيناً فناني السينمائي الذي أحب، أما فنانتي الهوليودية الشابة، بعثت لي بورد هندي نادر، كان حديث المشفى الباريسي كله، الروائي السعودي قدم خصيصاً للاطمئنان علي، والوقوف مع عائلتي المفجوعة بألم فقداني، أبن المخرج العالمي، كان موجوداً في نفس البلد الأوروبي، وفتح ستائر غرفتي الداكنة، لتدخلها الشمس، وكم رحبّت كثيراً بزيارة المفكر العربي لي أثناء فترة النقاهة، وكتب عني كلاماً رائعاً في عموده اليومي، في الصحيفة الشهيرة، في السطر الأخير كتب، أدعو أن لا يغيب القمر الصغير فقلبي ينزف لأجلها، أدعو لها أن تعيش، كي نعيش نحن لها، هكذا ناشد قرائه، كي يدعو لي، وهم لا يعرفوني، أنا تلك الشيطانة التي كانت ترتدي قميصاً أحمراً، وبنطالاً ابيضاً، أضع نظارة شمسية كبيرة، تخفي نصف ملامحي، أدلل بشرتي بمحاولة إخفائها عن حرقة شمس مونتوكارلو الباردة، كل ذلك يتهشم، الصورة وأنا والسيارة الجديد، وصوت الموسيقى المنبعث، أنزف من رأسي ومن فمي، ولو حركت جسدي الضئيل لتفتت أمامك، أتذكر اللحظات جيداً قبل الحادث بدقائق بسيطة، قبل الانفجار، وقبل صراخ عالية ونوف، أحترس ياطارق أحترس!!!
تقود زين سيارتها الحمراء، ويلاحقنا الشباب طيلة الوقت، يجدون الوضع يثير العجب والفضول، تتم مطاراداتنا حتى نهاية الشارع المؤدي إلى المطار، الأمر يبدو مثيراً لسعودية تقود سيارتها الفارهة في شوارع المنامة، تحكي لي زين عن قصصها الغرامية الكثيرة، ولقاءاتها المجنونة الصاخبة، بكثير من الشبان الذين تتعرف عليهم من خلال النت، وكثيراً ماتصدم بملامحهم، وهيئتهم التي لا يمكنها أن تتصورها، حكت لي بهدوء عن الشاب الذي أعجبت بشخصيته وألتقته أمام باب جامعتها، لترافقه لأقرب مقهى، تدرس في جامعة قريبه من جامعتي الوطنية، تصدم لهيئة الشاب، الذي تجده قصيراً جداً، يطولها بأصبعين وهي عقلة الأصبع، التي كثيراً ماشعرت بنقص حاد بسبب قصرها الواضح، أضطرت للمكوث معه خمسة عشر دقيقة فقط، تقول لي عابسة، لقد تألم لقلة الوقت الذي أعطيته أياه، آه.. لو يعرف كم ضغطت على نفسي، وأنا حتى هذه اللحظة ألوم نفسي على الخمسة عشر دقيقة، لم يكن يستحقها ابداً!!
حينما حاول إلزامها بالجلوس أكثر، قالت له وهي تحترق، لماذا لم تخبرني أنك قصير للدرجة التي لا يمكنني أن أراك بها!! صرخت ملئ فمي لأقول لها، هل أخبرتيه بذلك، تنظر إلي بعنف وتقول طبعاً أخبرته وأنا واثقة من نفسي، مابالك ياسارة صدقيني الرجال لا ينفع معهم، سوى الشراسة والصراحة الفاقعة جداً، هل تظنين أنني لو لم أعجبه سيبقى عليّ، أنه سيفتعل أي مصيبة كي يتركني بلا شعور بالرحمة لمشاعري!!
أضحك على مواقفها الكثيرة، تقص علي قصصها وهي تقود السيارة بخوف لا تظهره.
في المطار التقينا بالرجل الذي سيصحبنا للقاء الصحفي الشهير، في صالة كبار الضيوف رأيناه،رائعاً كما كان، الشئ الذي أحرجني جداً، أنه لقمني في حضنه، وخجلت من الحاضرين، لقد عاش هو ايضاً تجربة أن يفقدني كما هي تجربة والدي!!
واليوم وأنا أنتظرك في المقهى في شارع العدلية، نحو ساعة دون أن يضايقني الأنتظار، تذكرت المطربة الجميلة التي أحبت مصفف شعرها، ورغبت بالزواج منه، كم كانت جميلة في صورها الأخيرة،التي وجدتها على صدر صفحات المجلة الفنية، فنانة جميلة جداً مثلها، شهيرة وتملك أجمل شعر بلونه الأشقر الذي يصل إلى نصف ظهرها، أحببت أسنانها الصغيرة، حزنها العميق حينما تغني أغنياتي التي أحبها، تساءلت كيف من كان مثلها تحب مصفف شعرها، ألم تكن هي قد أعترفت بأنها عاشت طفولة قاسية، وأنها تخاف من فكرة أنجاب أطفال حتى لا يعانوا مأسأة حياتها المرة، أسمع أغنياتها وأتخيل أنها تغنيها لحبيبها، الذي سمعت أنه شديد الوسامة!!
أظن أن هدوئي مساء الليلة أرتبط بحماستي لرؤيتك، أخبرت أستاذي في الجامعة سراً من أسرار حياتي، وشعرت أنه اصبح عاجزاً عن عدم رؤيتي كل يوم، لأخبره كل مرة بسر يطوف حياته الطويلة، أتعرف لن يفهم أصدقاؤنا عمق ما نستطيع أن نعيشه، في ساعات قليلة نجتمع خلالها مرة واحدة في الأسبوع، لقائنا الأسبوعي من كل خميس، أصبحت أتوق إلى لقاءاتنا المسائية، اخترت الجلوس إلى الطاولة الملتصقة بالحائط الذي تغطيه لوحة عريضة يطغي على ألوانها اللونان الأصفر والأحمر.
أحببت تلك اللوحة منذ أن اكتشفنا المكان، حين كنا لانزال نتابع صفوف اليوجا في المعهد الهندي القريب من المقهى، أحببت المكان ايضاً لأن موسيقاه لا تطغى على صوتينا، ثم أعتدت أن نلتقي أسبوعياً لأنني لا أستطيع أن اقدم إليك نفسي دون أن احتاج إلى ستائر مطرزة أغطي بها حقيقتي، كما أنني في جلساتنا لا أدعي الرصانة التي أواجه بها نفسي لأنني أعتدت ذلك، أحب مساء الخميس حيث يركن سائقي سيارتي بعيداً عن المقهى، في زقاق ضيق لم أكتشفه إلا قريباً. تذهلني أزقة البحرين القديمة، فأتابع سيري على قدمي، سيارات تشق الزواريب الضيقة المتفرعة من الزقاق، يذهلني هذا الحي في تداخل أنماط مبانيها وفي ضياع روعة بيوتها القديمة القليلة أمام قبح المباني الجديدة، أذكر أن أحد أساتذتي أطلق عليها لقب المدينة ال"مابعد حداثية" وأصر على أن يستخرج جمالاً من التفاوت بين اشكال المباني.
أحياناً أتعمد أن اصل إلى مكان لقائنا قبل السابعة لأنني أحب ألوان اللوحة التي تزين الحائط، فألتصق به، ولا تهمني الأشكال التي تملأ اللوحة ولا الأسم الأيطالي الذي يشغل إحدى زواياها. وألهو أحياناً بالألم الجديد في عضلة في جسمي، تعرفت أخيرا، واتفقد وجهي الذي أخبرني صديق لي أنني أشبه أخت باريس هلتون ذات الشعر الأسود، فاسأل نفسي عن علامات تركتها مواقف عشتها دون أدري أنني عشتها حقاً. كغياب "الرجل الأول" كما سميته في أول أيلول جمعني به، فهل محت الشمس الآثار من علي وجهي في السادسة والنصف مساءً؟























21 اكتوبر, 2006 11:34 م