
حارس المرمى كل مايفعله في عيني فريقه.. هو أن يحمي شباكهم من أن تخترقهم قذيقة.. أو يسجل الفريق الآخر هدفاً.. يطّير جمهورهم من الرعب لهدفٍ آخر.. أقسى وأمرّ.. وكنت أنا سارة ..طيلة حياتي.. بألف حارس وحارس.. حتى كرهت الملعب.. وكرهت الكور الجميلة التي كنت أقذفها هنا وهناك.. صغيرة ولعينة ومدرسة في الشيطنة والتوحش والتمرد أيضاً..وأجيد الفرار.. وذات ليلة فررت إلى قلب صديق.. لأتمرد على قبيلتي.. ولم يكن هو قد عرف معنى أن يهرب المرء من عالمه ليفر إلى عالمِ آخر.. من دون الشعور بأن هناك من يرقب تاريخ حياته..الحافل بالمسرات والخيبات وحين البأس واليأس.. يهرب من عنف القبيلة والعقيدة والحلقوم ومايصنع التاريخ سوى ذلك.. و.." لقد رأى الحارس كيف جرت الكرة فوق الخط.."
هذه مداخلة بيني وبين صديق كان ذات يوم.. حارسي.. الذي لم أخشى يوماً أن تأتي الكرة فوق الخط!!
كتبت له:
إذاً أنا أول من سيطرق بابك ً.. لعلك تسمع طرقات يدي.. وتفتح، الطريق إليك صعب.. لا أعرف لماذا؟ ربما لأني لم أحب الدخول إلى وطنك.. منذ آخر مرة سافرت بها بعيداً.. وأحببت السفر إلى هناك حيث لا أحد.. لا صلاة.. لا قلوب تعرفك.. لا عيون تثأر لأجلك.. لا صالة قمار تذهب إليها بقدميك لتغامر بتاريخك.. هل أخبرتك مرة أني غامرت بحياتي كلها.. لكي أكتشف نفسي.. أكتشف من أكون.. كما أنت تغامر الآن بالحديث عن ماضي التسعينات.. والتي أنا كفتاة برجوازية أكثر من اللازم كما يقول لي أسامة.. الذي لا أعرف لماذا أخبرني بهذه الكلمة التي لم أستطع أن ابتلعها.. وتجاهلت كوب الماء الذي احضره جاك لي مع قهوة فرنسية في آخر جادة 112 عند الحي اللاتيني بباريس.. عالمي الآخر الذي لم يعرفه أحد حتى الآن.. وأتساءل كل صباح إذا كان سيأتي أحد ليطرق لي نافذة غرفتي الفسيحة.. والتي حلمت مرة أن تكون ضيقة كما هي غرفة الأستاذ حينما كنت أدرس المسرح..
جاك أرجوك أرفع كأسك بعيداً عني.. أريد أن اسكر لحديث هذا المدعو أسامة الذي نسي أن جده يستند على أهم بنوك السعودية..جاك خذ كوب ماءك فأنا لست ظمأ، ولا أحتاج لتعريف يوهمني بكيان آخر.. وسوء فهم لتعريف أبجدية الحوارات النفسية والتاريخية ايضاً..
أنتم أيها البحرينيون.. تعاتبون تاريخكم .. وتعاتبون دماءكم.. رغم أنكم أكثر من يسعى لسفكها.. حدثني صديق مرة لا أعرف إذا كان صديق أم كان هو أنا.. أنا تلك التي تضرب لك الآن على الكيبورد لتكتب لك شيئاً ألفته من تلك الأحاديث الممضوغة في أروقة الجامعة..عن تلك الأحداث.. عن قسوة تاريخ التسعينات.. هكذا حدثني هذا الصديق عن فقدانه لحريته المسائية.. وهو الذي تعود دائماً.. كلما شعر بأن الأرض تدور على قدميها.. سحب جسده وذهب معها يداً بيد.. ليقيس لها المساحة ويعد لها كوباً من القهوة.. ويمضي الليل كله معها.. في ذلك الوقت حينما كان لا يزال مراهقاً نزغاً..عرف أنه فقد روحه.. وفقد سماع الصبية وهم يتناوبون على اللعب عند طرف الحارة.. وزيارة الجارات بعباءاتهن السوداء.. لبعضهن البعض.. محملين بالقهوة الخليجية وبقايا الرطب والسكر والمعمول.. لم يعد هناك صبية.. لم تعد هناك فتيات يتناوبن على الضحك كلما عبرن الشارع.. ولم تعد هناك حسينيات تغتص بالأجساد الطالبة للغفران والباكية على موتاهم.. لم يعد هناك أحداً قادراً على أن يفتح فمه إلا ليتنفس.. كان الوقت والحزن يصرع الجميع.. أستمعت إليه.. وحاولت أن أعرف لماذا كل هذا يحدث؟!!
لم أكن قادرة على فهم التأويلات السياسية.. لأني أكرهها ولا أطيقها.. وحاولت أن افهمها لأجله فقط.. لأجل أن أتفاعل أكثر مع مشاعره.. التي دمعت عيناه تلك الليلة بذلك المقهى.. الذي طالما أحببته.. كنت أجدني فيه.. أجدني بلوحاته الكثيرة وبتماثيله التي تشغل مساحته الخارجية..
حاولت أن اتعايش مع كل وقعها الذي بدا قاسياً على جميع من عانى تلك المرحلة الزمنية.. ولم أعرف كيف لي أن أتألم كما أنت تفعلها الآن..بم بم بم قلبك يدق.. وأنا استمع لك مع كأس صغيرة من عالمي الذي لم تحبه يوماً..ياترى هل العيب في الحدث .. أم العيب في رأسي التي أحيانا أسعى إلى استئجار مؤقت لرأس صديقاتي.. لعلي أفلح في استشعار كل تلك العذابات الليلة والصباحية..
لماذا حدثت كل تلك الأحداث؟
من المسئول عنها؟
هل أنتم؟
أم الصغار الذين يرغبون في الموت سريعاً.. أم أنه الثأر التاريخي القديم !!!!!!!
أعذر بوحي لك هذه الليلة.. لقد شعرت بالموت.. تذوقت طعمه للحظة.. وكان نهارك الذي كتبت عنه ..مملوءٍ براحة الموت.. أمس اشتريت من المكتبة التي تقع خلف جامعتي..كتاب أسمه خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء.. كتاب أدبي لا يتكلم عن رأسي ولا عن ذاك الشباك.. الذي وقف أمامه أخي الصغير أيام لندن.. تلك الأيام التي شكلت رأسي.. وشكلت قصصي العاطفية التي أستند عليها الآن.. ولولاها لما كنت أنا سارة تلك التي أريد.. وقفت وسط البرد أرتطم بالثلج وأنا أرتدي ثيابي الثقيلة.. التي تزن أكثر من وزني الضئيل وقتها.. وقفت أصفق له.. أشجعه أصفر له.. وأنا التي لم تعرف يوماً كيف تصفر للآخرين.. صفقت له كثيراً وكان في كل مرة أقوم بها بالتصفيق كان قلبي يدفأ..
كتاب حارس مرمى.. تذكرته هذه اللحظة.. لأني شعرت بأنك بحاجة لأن تصفق قليلاً.. لربما قلبك يدفأ وتنظر لكل تلك الأحداث.. على أنها تجربة سياسية، ربما كانت لا بد منها حتى تستقيم البحرين!!
قام بالرد علي ليكتب لي:
... إلى "س" أو أي اسم يليق باللحظة.
مذ عرفتك، وأنت تجيدين رصف التفاصيل الصغيرة دوماً، دون الصور الكبيرة. تجيدين النظر إلى انكسار ضوء الشمس على جسد الممثل (الذي هو أنت تقريباً)، ولا تجيدين النظر إلى الشمس نفسها. هل جربت أن تمارسي الغواية كلها بأن تضعي عينيك في عين الشمس في رابعة النهار، هكذا وجهاً لوجه، ومن دون حافظاتٍ شمسية!؟ أو، هل جرّبتِ أن تقرّبي مخرزاً حدّ الوعاء الحيويّ الذي ترقد فيه بيضتا عينيك، ومن دون أن ترمشي رمشة واحدة!؟ تلك هي تمريناتٌ على "فن الكلي"، على فن توسيع حدقة العين، حتى تتسع إلى العالم.
يغريك أنك الكون في جزء، ولا يغريك أنك جزء في الكون، يغريك أنك المجرّة في ذرّة، ولا يغريك أنك ذرّة في المجرة. هذا دأبك، وسوف تنطلين على الخدعة وتنطلي هي عليك، تستبيحين بها ما هو مباحٌ لذات نفسك، وتنسَيْن بخيالك البرّي المتمدد، أنك تستبيحين معه ماهو مباحٌ لذات غيرك. وتلك مشكلة ذاتك، التي لا تقوى على التمدد في الحق إلا إذا كان لها، ودون ذلك، فهي تتقلص تتقلص حتى تغدو حبة رمل، وقت يكون عليها.
ولا أعجَبَ ها هنا، من أن تشرعي لنفسك إباحة فضائك الخاص لمن هو عام (وهو الكثير الكثير، وفيه من يعرف وفيه من يعلم)، تتسلّين بسرده مثل كل الحكايات الصغيرة الصغيرة؛ بينما تستنكرين وتستفزعين وتطفقين إلى استحلاب المواقف لصالحك استحلاباً، ولن يضنّ عليك أحدٌ بكل هذا، إلا من عرفك لا من رآك، عرفك فعرف كلك لا من رآك فرأى جزءك، وذلك ساعة يُصارُ الأمرُ إلى غيرك؛ حتى وهو يشرع لنفسه إباحة فضائه الخاص لمن هو خاص (وهو القليل القليل، وليس له أن يعرف أو يعلم). أرأيت؟. ها إن تفاصيلك الصغيرة الصغيرة تحجبك عن رؤية الشمس، حتى وهي قريبة منك، على مبعدة أن تنهضي من على كرسيّ ظلامك لتفتحي النافذة من خلفك. هي ذي شمس الحقيقة، لكنها المُرّة المُرّة!.
عيناك يا صديقتي، اللتان تعودتا على الكحل وعلى "المسْكَرات" الباريسية، ليستا قادرتين على رؤية شمس التسعينات. ومثلك، من لم يستطع أن ينظر إلا شزراً إلى جاك في آخر جادة 112 عند الحيّ اللاتيني بباريس، وهو سليل أعظم الثورات في التاريخ الحديث (الثورة الفرنسية)، لن يستطيع، مهما بلغت به حدة ذكائه، أن ينصف انتفاضة التسعينات!. وإذا ما زيدت على كل ذلك، أوهامٌ من شاكلة تلك التي يجعجع بها أبداً الضالعون في الخدعة، من قبيل الظلامة التاريخية وأشباهها، لن تستطيعي، وأبداً أبداً، أن تفهمي لماذا حدثت كل تلك الأحداث؟. من المسؤول عنها؟. هل نحن؟. أم الصغار الذين يرغبون في الموت سريعاً!!؟.

















20 اكتوبر, 2006 03:35 ص