
يعرفني أحب أن أظل أمام الكاميرا لساعات طويلة، ولا يمكنني أن اضجر لذلك.. لتوي عدت من المالديف لازالت السمرة تغطي بشرتي، كنت حزينة وألوم نفسي على فشلها، الذي لا أعرف كيف أصيغه، مشاعري لها لون الشتات، لم أكن أعرف مالذي أريده، ومالذي يغني حاجتي عن الارتباط بالآخرين، الذين لا أحتاج أصلا لوجودهم، من ضجري طلبت من صحفي بحريني أن يأخذني لقهوة شعبية، لا أعرف إذا كانت هذه المقاهي حكراً فقط على الرجال أم لا؟ لكنني كنت أريد أن أتحول إلى رجل لليلة، أجمع كتبي وأرتدي بنطولاً أنيقا، وأسرح شعري إلى الخلف، وأنتظر علي وهذا هو أسمه في المقهى الشعبي، يأتيني حاملاً كتبه الفلسفية التي سيعيرني إياها، وقصاصات صحفية لحوارات أجراها أثناء سفري، ويريدني أن اقرأها، ثقته المفرطة في مفرداته تأرجحني بين الليل ومنتصف النهار، يضحك علي ملئ فمه، يصفني بالمجنونة، وأنا أتوقف تلك الليلة عند ذلك الحلم.
عاد سعيد لتوه من المغرب، كان هناك في جولة عمل، ذهب إلى مراكش بالتحديد، ليصور ملابس النساء هناك، ضحكت معه على الهاتف، وسألته لماذا لم يطلب مني آن آتي معه.. معي ستتعلم الضجر كما يجب.. قلت له وأنا ألوك كبدي.. كنت أتلوع.. أعتصر.. مهزومة في مشاعري لأني لا أعرفها.. ولا أفهمها....
الساعة الخامسة وعشرين دقيقة، جلست في فضاء اللحظة، في الغرفة المعدة للتصوير، حاولت أن انزع رأسي، وبكيت لأني لن أعد سارة لو فعلتها، تربكني أمي بتفاصيل تعبها وقلقها، ركبتها تؤلمها منذ آخر مرة سافرنا بها إلى ثلوج زيرامات بسويسرا، كانت تتفحصنا، ونحن نتعلم التجديف بالثلج، وضع أخي الصغير الثلج في فمي، وكدت أموت، جاءت أمي راكضة، بعد أن رأتني أحرك يدي بشكل عشوائي، سقطت على سطح الثلج، كان سقوطها مدوياً لأن قلبها كان خائفاً مرعوباً من لحظة الموت، غلا صديقتي تلح علي برؤية صديقها الجديد، أنه كاتبي المفضل، لم أسألها أين رأته أو لماذا تهتم به، وإن كان يحق لي أن أكون وقحة أحيانا، وقد سئمت دور الفتاة الطيبة،التي تبحث الخير للجميع، والتي تحب الوجوه كلها، حدثتني عن الشهرة والسلام الذي تبحث عنه، استغربت كلامها، وتساءلت كيف لي أن أبعدها عن كاتبي المفضل بعد أن ظهر تأثيره فيها؟ حكاياتها لا تنتهي، وأنا .. أنا سارة لا أريد أن اعرف من أكون، ولا لماذا أغرق في فحش الحزن الجديد، قام سعيد بتصويري، قال لي، أريدك أن تعبري عن ألمك وضجرك، كان ذلك في الخامس والعشرين من أغسطس، بعد مجيئي من المالديف بأيام قليلة، هل كان سعيد يعرف قصصي، حتى ليلة أمس لم أتصل به ولم أخبره، عن تلك الأمور التي حاولت أن أخفيها عن عائلتي، ولم أفكر بعدها حتى بالذهاب إلى الجامعة، لأول مرة أشعر بأني بدأت اكره تاريخي الأخير، لأول مرة أشعر أني علي أن أقتل كل تلك اللحظات، التي علمتني أن أثق في الآخرين، وإن كنت حتى لا أثق في سارة.
في السابق كانت مغرمة بحياة فيكتور، الممثل الكوميدي البريطاني المغمور، شاب وسيم جداً، قلبه ملئ بالصخب وكثير من العلاقات التي تنتهي قبل أن تبدأ، لا اعرف لماذا تخيلت إنني لربما أكون في لحظة أشبه بفيكتور! وذات مرة اعتقدت أن زينة بطلة رواية "الغلطة" للطاهر بن جلون، إنها أنا، رغم أن لا خيطاً ولا فاصلة تربطني بزينة كشخصية بالغة التعقيد، أو حتى بحياتها المتمازجة. حتى قبل أيام لم توجد في حياتي أموراً فضائحية، لا توجد أمورا أخاف أن تنكشف أمام الناس أو حتى أمام عائلتي، قبيلتي التي انتمي إليها، ذكريات التي تسكن في نفس البناية التي تسكنها عائلتي في أهم شوارع بيروت، تقول لي وهي ترتب قمصانها القصيرة، إنها تتمنى أن تكون لحياتها أموراً فضائحية، كي تتسلى بالدفاع عن أحلامها وأوهامها، نقضي الساعات نجلس في مقهى بحري، تقص علي حكايات صبيان سكان الحارة، وتدمع عيناها، حينما تتكلم عن رغبة الجميع في هجرة بيروت، مين راح يظل لو كلوهن سافروا؟ أشعر أن السماء تمطر، في الصيف لا تشتى سماء بيروت، لكن وجع ذكريات يجعلني أغرق في المطر، أطلب منها أن ندخل إلى المقهى، حتى التصق بحديثها عن هوسها بالتصوير والرسم والألوان، ورسم صبيان الحارة الغائبين، والذين تتخيل أنهم سيغيبون ما أن تطول قاماتهم حتى يصلوا إلى السقف، أحبها وهي ترتب قمصانها، صغيرة وبسيطة، حينما تفكر بترتيب يومها، هوسها برياضة المشي على الكورنيش حتى تصل إلى المنارة، فتتذكرني لتقف طويلاً، لا تريد أن تترك بيروت حينما تصبح أكبر. – لا..لا.. لن أترك بيروت، أعني لن أترك لبنان، لكني لا أريد أن أعيش طويلاً مثل جدتي، سيكرهني الجميع، مثلما يكره الجميع جدتي، ويرغب الجميع كلما تبولت على نفسها، أن تموت أفضل من أن يروها هكذا!!
أرقب قسمات ذكريات، أحبها.. لكني لا أحب أسمها، يزعجني كثيراً أن يكون اسمها طويلاً، تطلق على نفسها أسماً آخر ريتي، لا أعرف أين الصلة بين أسمها، وبين أسم الدلع الذي اخترتها لها، لكنها لا تغضب مني، لأنها تشعر إني جزءاً مهما من حياتها، منذ أن رأتني في أول يوم سكنا فيه في البناية التي نقطنها سوياً، كنت أول من فتح شباك الشقة الكبيرة، التي أختارها صديق والدي، ووجدتها تطل على بلكونة عائلة ذكريات، التي تغربت طويلاً في سيدني لتعود الأم بصحبة أطفالها، ويبقى الأب في مطعمه الذي أصبح ملكاً له، أحب ذكريات رغم أنها لا تضحكني، حينما تخبرني بآخر نكته سمعتها، وأنا أحب الضحك، وأحب أن يخبرني كل أصدقائي بآخر نكتة، طارق لا اسأله لأنه يبادرني باختراع نكت سخيفة وسمجة، حتى أكرهه ولا أعود اسأله، أيش آخر نكته عندك؟ حتى أضحك من قلبي، ذكريات تأتي الآن في رأسي وقلبي وأنا أكتب هذه المقالة لكي أقول لها، إنني لن أنساها، وسأتذكر رغبتها في أن تكون لديها حياة فضائحية، تنشغل في البحث عن دلائل لإثبات عدم صحتها.
البارحة اتفقت مع سعيد على لقاءه، ليريني صوري التي ألتقطها لي ذات مساء صيفي ساخن، أرتاح لسعيد كثيراً في عينيه الحزينتين أبصرت عالماً جديداً، وقررت أن أتفاوض مع السعادة حتى بعد السيرة المفتضحة، وإذا سألني عن قلبي، لن أشكو له قلة خبرتي في أصدقائي الذين أباحوا أسراري، ولن ألعن الوقت والصدفة التي قادتني على معرفتهم، سعيد مثل ذكريات مفتوناً بالتصوير والرسم، التقيت به في إحدى المقاهي، أخبرني أنه أحضر معه كتاب جديد قام لتوه بإصداره، ارتقبت مجيئه وفاجئني بظهوره مع صديقه، الذي افتتح معه شركتهما الجديدة، حديث سريع، قهوة سريعة أيضاً، كلام لا أتذكره الآن، سوى الكثير من المديح والإطراء للون بشرتي، بدا سيف شاباً لطيفاً، تستطيع أن تلمح ثرائه، حديثه وأمنياته، لون شعره، عرفت أنه يسافر كثيراً حتى قبل أن يتكلم بشكل مقتضب، وضعت السكر في كوب الشاي، سارع بالتقاط ترمس الشاي الصغير ليسكبه في كوبي، هذا التصرف لا يمكنك أن تلتقطه من رجال الخليج إلا ماندر، لقد أربكني تصرفه، تركت رقم هاتفي على كرت كان يكتب عليه اهم ملاحظات اليوم، بعد أن أقنعني أنه يمكنني العمل معهما، رغم رفضي الشديد لفكرة انتخاب عملي.
تذكرت وجع قلبي، وأنا أضع قدمي على الدرج حتى أخرج من المقهى، عرفت إن سيف الذي جاء برفقة سعيد، قد أعجب بي، وكرهت اللحظة وكرهت قلبي، لم أعد أنا سارة حتى لا تقص علي القصص، نظرت إلى سيف مودعة، كان سعيد مشغول في تصفح فاتورة المقهى، ربما لكي لا يكتشف ما أدركه بحس الصديق الذي لا يمكنني مقاومة عواطفه الغريبة تجاهي، بينما كنت أسدد ألمي لعيني سيف، قلت له دون أن أزيح شفتي عن بعضهما البعض.
أرجوك لا أريد قصصاً فضائحية جديدة!!

















19 اكتوبر, 2006 07:32 م