
جميعنا موهمين بالفن، ندرس المسرح لا لنمثل على خشبته، لم يرغب أحداً من الخمسة عشر، بالتمثيل على المسرح، كل ما كنا نريده المعرفة الخاصة، التي سنحملها معنا طيلة حياتنا، وإننا مارسنا فعلاً نحبه ونتلذذ بالقيام به، أن تدرس المسرح هو أشبه بأن تتعلم كيف تلتقي سراً بمحبوتك، وأنت تعلم جيداً بإسرارها وكل ما تفكر به، وما ترغب بفعله، إننا جميعنا نحتاج لأن نلقي نظرة فاقعة على داخلنا، لنعرف كيف تكون ملابسنا الداخلية التي نشعر بالارتياح لارتدائها، لنفهم أكثر كيف يمكن أن يذوب السكر، داخل أروقة أفواهنا دون أن تصاب أسناننا بالتسوس، جميعنا نستعذب الألوان الزاعقة، كما هي أصوات الموسيقى، والملابس الطويلة، والزخارف التي تملأ فساتين المسرح، ذات درس حضر الدكتور خالد، الذي قضى نصف حياته في فرنسا، صعلوكا نبيلاً، شديد الوسامة، دمث التصرف، يرتدي قمصاناً غريبة، ويعلق الأساور على معصمه، برفقته جاءت امرأة طويلة القامة، عّرفها علينا ليقول لنا هذه الدكتورة منى صّديقي، أنها من ستلقي دروس مكياج المسرح عليكم، نحيلة وطويلة وترتدي على الدوام قمصاناً ذات ألوان زاهية، وتضع ايشارباً حول رقبتها، ترفع شعرها عبر نظاره شمسية سوداء، لم أراها يوماً تضعها على وجهها، الغريب أنها لا تضع أي نوعاً من المساحيق على وجهها، بدأت أغار منها خاصة، حينما تجلس وقتاً طويلاً برفقة الدكتور خالد، تخرج من حقيبتها علبة دخان بيضاء اللون وتدخن، أعجبتني أطراف أصابعها، قربت مني مرة وقالت لي: لماذا لا تفكري بالتمثيل على المسرح؟ لم تنتظر مني رداً تابعت حديثها وأنا تصعقني المفاجأة، قالت، صديقي مرسول يبحث عن بطلة لمسرحيته الجديدة، لقد رأيتك فيها، سألتها عن اسم المسرحية، وربما وددت أن اسألها عن أجري في المسرحية، وهل سأطوف العالم بها أم لا؟ كنت أحسد كل الممثلين الذين يعرضون مسرحياتهم في فضاء المدن، آخرها كانت المسرحية اللبنانية والتي عرضت بأهم شوارع باريس، بباحة متحف اللوفر، وكم وددت لو أنه أمكنني أن أوقع على عقد، وأطلب أن تنشر صوري في الصحف والمجلات التافهة، ولكننا هنا ندرس أهم مايمكننا تطبيقه على المسرح التجريبي، أنه مسرح العقل، وأنا أدرس كي أحرك رأسي، في رأسي الصغير الكثير من الصور، والكثير من الحماقات والمزح الساذجة، عمتي الوحيدة تقول أنني مشروع زوجة ناجحة، خلتها ستقول عني إنني مشروع يجب قفله دون معرفة مصدره!! منذ أن رأتني أطلب منها أن اهتم بسقاية النباتات الموجودة في بيتها، وهي تحلم بأن تراني أرتدي فستان الفرح الأبيض، ذاك الذي لم أحلم به يوماً، تعشق عمتي هيا النباتات منذ أن رافقت زوجها وهي صغيرة إلى أمريكا، أضحك كثيراً على أحاديثها السماوية، ورغبتها بتزويجي سريعاً، لم أفكر ولا مرة واحدة في حياتي، كيف ستكون حياتي المسرحية بصحبة رجل واحد، أريد أن استمتع بأكبر قدر ممكن من حريتي، لا أريد أن أفرط بها، حريتي هذه هي من جعلتني أدرس المسرح، وجعلت د.منى تطلب مني أن العب دور البطولة في المسرحية الجديدة "إحدى عشرة دقيقة" إنها للروائي باولو كويليو، هكذا قالت لي، حركت رأسي أخبرتها أني قرأتها وتأثرت بها، وقلت لها أني ما أن عرفت أن الروائي سيأتي زائراً إلى دبي، حتى طلبت مرافقة والدي إلى هناك، والدي الذي أحب أن تكون لديه ابنة تطارد الكتاب والقصاصين وصعاليك الرواية، وتهتم بالسينما وأبطالها، ربما أخبرتها بذلك كي أقول لها أنني أستحق الدور، وأنه يناسبني أكثر من غيري!!
هناك في دبي، سلمني والدي لصديقه الصحفي في جريدة الإتحاد الأماراتيه، هو أيضاً رغب كثيراً في لقاء الروائي باولو كويليو ، ذهبنا إلى ميجا ستار فيرجون، وصففنا في الطابور كي نحظى بتوقيع خاص من الروائي الوسيم جداً، صاحب السكسوكة الرمادية، كنت أتلصص عليه، أحب ابتسامته العذبة، نظرته العائمة تجاه القادمين إليه، جالساً متكئاً على الطاولة المعدنية، يوقع لقرائه بقلمه الأسود ذو الغطاء الفضي، يرتدي ساعة كبيرة، ويبتسم كلما لمح وجهاً عربياً يرمقه، مضى طيلة النهار يوقع كتبه لزواره، أخبره الشاب الإماراتي بحماس، تذوقت طعمه وكان يسبقني في الوقوف، أنه مغرماً به، وأنه لم يكن ليفوت اليوم ليحظى بتوقيعه، وتساءلت عن الكلام الذي سأغرقه به، يرتدي قميصاً أسوداً وبنطلوناً بذات اللون، شعره رمادي، هذا اللون يسحرني، تماماً كما هو شعر الدكتور خالد، كتبت قصصاً للدكتور خالد دائماً هو بطلها، يقرأ القصص ويتمتم، يبتلع قصصي دفعة واحدة، يحبها جداً، بل يعشقها، وذات مرة قام بتمثيل إحدى قصصي، على مسرح التدريب الصغير جداً، كنا قد وضعنا فوق الطاولة بساطاً غامقاً، ورتبنا الكراسي الخشبية، وخلعنا أحذيتنا، من يدرس المسرح، سيعرف لماذا علينا في كل عرض أن نخلع أحذيتنا. أذهلني بدخوله في تفاصيل لم أتطرق إليها في القصة، بدا ممثلاً بارعاً، صفقنا له بحرارة، لقد كان مجنوناً، بعد تصفيقنا الحار وصفيرنا الذي ملئ القاعة الفقيرة الصغيرة، أنحنى لنا بكبرياء، كان دكتوراً ومدرساً رائعاً، أتذكر دموعي وأنا أرى نصي المكتوب "إجازة في وطن الأغبياء"، يتحول إلى فكرة تترجم عبر جسد أعظم دكتور مسرحي عربي، لكنه لم يسألني قط، لماذا كان هو دائماً بطل قصصي، أنه لا يتدخل في إبداعاتنا المعتادة، وقد طلب مرة زميلنا وهو مجنون حقيقي، أن يشرب كأساً قام بمزجها بمواد لاسعة وحارقة، قال له بهدوء وهو يغرس عبقريته في رأس إحدى طلابه: جرب الآن حتى لا تندم!!
جاء دوري أخفضت رأسي وبدأت ارتعش، وأنا التي لا تعرف الخوف إلا في لحظات الحب، قلت للروائي الوسيم، أنني أتمنى أن أحظى يوماً برجلٍ مثله !! ضحك الروائي وقال لي بلهجة انجليزية ثقيلة: أنتِ أكثر من جميلة، تستحقين رجلُُ أشهى منى وأكثر تمرداً..وقّع على كتابه الجديد وأعطاني أياه، سيبقى باولو كويليو أكثر الروائيين جاذبية لعالمي الخاص!!
"متى ستعود كي أقص عليك قصصي.. اشتقت لك... لازلت أنتظر جنون المخرج مرسول كي يقول لي أنني أستحق الدور!!
ألم أقل لك أن لدي قصصاً كثيرة.. مع أرق تحياتي.. طالبتك صاحبة الأحذية!!
ضغطت على زر الإرسال وأغلقت جهاز الكمبيوتر. وبدأت أفكر بتلك اللحظة التاريخية، ونحن نصفق للدكتور، كنت وقتها ألحس دموعي، بدا مظهري سيئاً، لكنني كنت في قمة نشوتي!!
































12 اكتوبر, 2006 01:17 ص