كنت أريد أن اخبرها عن وظيفتي الجديدة، وعن الكرسي الأزرق الوثير، الذي بدأت أغرق فيه كل صباح، وبدأ يتحمل ثقل أحلامي المستقبلية، أن أكون شيئاً ما في هذه المؤسسة التي دفعني إليها والدي، علمتني الوظيفة الجديدة أن استيقظ كل صباح بلا تذمرّ، وأن أتناول إفطاري على عجل، وأكمله أحياناً في السيارة، أسمع فيروز طيلة الوقت، تغني لي وحدي.. "شايف البحر شو كبير.. كبر البحر بحبك"، أرتب أوراقي التي سأدون بها أهم ملاحظاتي، في اجتماع رئيسي في العمل، أحفظ أهم المصطلحات الإدارية، كي لا أضطر للسؤال، أرفع شعري الطويل كذيل حصان، وأتناول قهوتي باردة معظم الأحيان، كدليل على انشغالي الصباحي، لدي كمبيوتر جميل ذو شاشة فضية، اضطررت لتوقيع أوراق كثيرة، أتعهد بها بعدم إهمالي العمل على هذا الكمبيوتر الأنيق، وضعت صورة والدي والهواء يدغدغ غمازتيه في مكتبي، حتى إذا فاجأني بزيارته، أفاجئه بأشتيقاتي له، لدّي أكثر من خط هاتفي في مكتبي الجديد، أمي تتصل بي كل صباح كي تطمئن علي، أوشوش لها بالهاتف، إنني بخير وأغلق سماعة الهاتف بهدوء، أشعر أن أمي تكاد تطير من الفرح، أنها سعيدة لأني أنفّض من على جسدي، قشرة السمك الملونة، إنها سعيدة لأني تركت أمشطت الذهب في صندوق غرفتي، وخرجت من غيرها. كل ماينقصني الآن، هي باقة من الأزهار أضعها لأيام على طاولة مكتبي، وكروتاً عدة أطيرها في السماء، مكتوباً عليها بماء الذهب أسمي ومهام وظيفتي الجديدة!!
كل هذه المشاعر لم تشاركني بها داليا أبنة عمي، وفضلت أن تستمتع بالنظر إلى المرآة، لتأخذ صورة خيالية مع نجمها الوسيم، مشغولة بتهذيب شعرها الكستنائي، وبإعادة ترميم لهجتها المحاكه، والدتها لبنانية، ولا تتباهى بهذا الأمر كثيراً، بل يزعجها احياناً لون بشرتها الفاتح، تقف أمام المرآة تحاول أن تزيح بعض المفردات، لتصّر على تأكيد هويتها السعودية، أضحك عليها وأذكّرها بالبائع السعودي الذي خجل منا، فبات يتحدث معنا بلهجة لبنانية مصطنعة، ليبعد الشبهة عن هويته، وعن طبيعة عمله التي لم نجد فيها مايحرجه أمامنا!!
لاتزال داليا مشغولة، في رسم صورتها وحلمها بلقاء هذا النجم الأكاديمي، وتتساءل كثيراً ماذا ستقول له لو رأته صدفة، وهل ستلتقط معه صوراً كثيراً، أم ستكتفي بصورة واحده!! بدأنا نختلف منذ أن تعرفت على الروائي الشهير، بعدها لم أعد أنا سارة كما تريدها داليا، قال لي الروائي إنني غيرته كثيراً، كان كل مايحتاجه بعد العشرات من الروايات الناجحة، يداً صغيرة يكتشف معها العالم مرة أخيرة من خلال عينيها، وكنتُ أنا اليد وكنت ايضاً تلك العينين الضيقتين، بدأت اهتماماتنا تتغير، أصابُ كثيراً بانتكاسات مزاجية في منتصف النهار، فأتوقف عن الكلام، في حين تبقى داليا معظم الوقت على وتيره واحده، وقلما تتغير، مزاجها أستثنائي، ربيعياً معظم السنة، لا تمطر إلا حينما تحتاج لأن تشتم رائحة المطر في قمصانها الشفافة، ورغم أنها أحبت مرة حبيباً لي، أعترف أنها أحبته حينما تركته، ولكن ما أوقعني في الحرج حينما قررت الزواج منه، كنت في البلد الأوروبي الذي ولدت فيه، أقضي أجازتي السنوية برفقة عائلتي، أتصلت عليّ داليا لتخبرني أنها أنانية، وكنت أعرف ذلك، وأنها لا تحب فان جوخ ولا كتاب الغثيان والكلمات لسارتر ولا أغنية "لاتوجد امرأة قادرة على البكاء" لبوب مارلي، وكنت أنا اعشقها بدوري، وأنها تحب مونيكا بلوتشي، أكثر من ثقيلة الظل نيكول كيدمان، وتفضل قانون نيتشه وعلم الرياضيات، على قانون الجاذبية على سبيل المثال، وأخيراً أنها تفكر بالزواج من زياد الذي كان كان حبي الأول، وأحياناً أحن إليه وكنت أخبرها بذلك، وأن كنت قد تركته بعد أن اختلفنا، لم أكن في الحقيقة أتفق مع زياد في كل شئ، وتخليت عن حبه ذات شتاءٍ بيروتي، كنا قد قررنا أن نذهب إلى السينما في مجمع ABC الموجود في الأشرفية، وهناك في أحد المطاعم التي تقع خارج السينما، تكلمنا عن الطقس وأحوال أصدقائنا الذين نشترك في معرفتهم، والكتب التي لا نرغب في قراءتها، وحاولت أن اقرأ فنجان قهوة زياد أبن عمتي الوحيدة، وحالما قلبته ورفعته إلى طرف عيني، حتى عرفت وقتها أننا سنفترق، وأنا أحب كل أنواع الفراق، وأقساها وأمرها، أحب تلك اللحظات التي تصطدم بي لتوقظني، تشتت ذهني وأعاود جمعها، ذهبنا إلى السينما وحالما خرجنا لم نعد نتصل على بعض، ولم نعد نحلم تلك الأحلام الليلية، ونبحث عن تفسيرها، علها تخبرنا إذا كنا سنتزوج أم لا؟؟
وهاهي أبنة عمي التي تكتب رسائل كثيره عبر هاتفها الخلوي، تقرر الزواج من أبن عمتنا الوحيدة، رغم ذلك لم أفكر يوماً أن اترك داليا لأي سبباً كان، فنحن منذ كنا صغاراً لم نكن نفترق، وفي الخامسة عشر من عمرنا، قررنا أن نكبر فجأة، وقررنا أن لا ننسى هذا العمر الصغير، وأن لا ننسى جنوننا الصاخب فيه، ولكن يبدو لي الآن أنني كبرت، وقررت داليا أن تبقى في صيغة جنون الخامسة عشر!!
إننا ننسى سريعاً ونتأقلم سريعاً، هكذا نحن ننغمس في اللحظة، ونعاود الصعود فوق سلالمها المعتمة، وأذكر يومها جنوننا الصاخب، حينما كنا في القاهرة مجرد مراهقتين، قررنا أن نستدل على بيت الفنانة الراحلة "ليلى مراد"، كنا قد رأينا صورها، برفقة زوجها الراحل ايضاً أنور وجدي، يتوسطهما والدي والذي يبدو أن الفنانين كانا في زيارة إلى لندن، ويبدو أن والدي المغرم مثل أبنة اخية بالنجوم، قد دعاهما على الغداء، كانوا سعداء بتلك السترات الثقيلة التي أرتدوها في تلك الصورة بالأبيض والأسود، تستطيع أن ترى العقد الألماسي الكبير، الذي كانت ترتديه الفنانة، السعادة تغمر والدي، وهاهي الفكرة المجنونة ايضاً تغمر رأس اللعينة داليا، ذهبنا إلى العمارة التي تسكنها الفنانة الراحلة، وطرقنا الباب، وخرج لنا صوتاً هادئاً يسألنا عن هويتنا، قلنا لها بشقاوة الخمسة عشر، إننا جئنا لنسلم على المخرج زكي فطين، كان لديها أبن وحيد، وقد قام بإدواراًً متوسطة كما نظن، في أفلام المخرج الذي لا نحبه يوسف شاهين، ولم يكن سؤالنا عن أبنها سوى رغبتنا الشديدة في رؤيتها، أخبرتنا أنه لم يعد إلى البيت، ربما ذهب إلى الأستوديو للتصوير؟ هكذا أجابتنا.. طفقنا عائدتين، محملتين بصوتها الهادئ الرخيم، الذي خرج لنا من خلف الباب الخشبي!!
بعد ثلاثة أيام عدنا راجعين، حملنا زريعة صغيرة، كنا قد قررنا أن نهديها لذلك الصوت شديد التهذيب، لم تقلق من سؤالنا، ولا من إخفاء داليا ضحكاتها بيديها البضتين، قلت لها وكأني أرجوها، هل يمكنك أن تفتحي لنا الباب؟ أحضرنا زريعة صغيرة ونود أن نهديها لكِ، بتردد فتحت لنا الباب، وجلسنا متقاربتين تجاه العجوز الطيبة، على كرسي قديم لونه أحمر قاني، أطرافه المذهبة قد تلاشت بفعل الزمن الماضي، قالت لنا بهدوئها الجميل، أن أبنها زكي موجود الآن في فندق شيراتون الجزيرة، حكت لنا قصة أخيه الآخر من زوجة والده المخرج الكبير، وأنه يعمل هناك، وقد استأجر له غرفة كي ينعم بها طيلة أيام التصوير، حتى لايزعجها أثناء قدومه في الليل متأخراً كعادة كل الممثلين، حديثها كان بسيطاً ودافئاً، أنها تشبه جارتنا التي تسكن بجانب شقتنا في بيروت، تستدعي نساء الحي، وتقضي معهن وقتاً جميلاً بصحبة الأركيلة والصور القديمة التي تملأ بيت الجارة، حتى تشعر بأن هذه الجارة تعيش مع ذكرى الأموات، عليّ أن اعرف عائلتي كلها حتى وأن لم ألتقيهم، هكذا أجابتني الجارة العجوز، حينما سألتها عن كثرة الصور في شقتها، ولكنّي الآن أجلس مع ليلى مراد، هذه العجوز ذات الشعر الرمادي، والوجه المحنط بالتجاعيد، والعيون الغارقة في الحزن، لا أصدق أنها هي ذاتها المطربة الجميلة، التي قضت على قلب الريحاني أستاذ حمام عندي لك سؤال، في فيلم غزل البنات؟؟
هل أردد لها أغنيتها، هل أشغلها عن موتها الذي سيحين بعد خروجنا بأشهر، أعطيناها الزريعة الخضراء، وشكرتنا كثيراً، وسألتنا عن الطقس خارج الشقة!! هل يبدو ذلك عجيباً، أنها تسألنا نحن عن لون الطقس، وعن الشارع، وعن البواب إذا كان يستطيع المجئ إليها، لحظتها وهي تودعنا عند باب شقتها، خفت أن أقول لها أنني بدأت أخاف أن اكبر، كنت في قمة ثورتي وعشقي لأن أغلق على نفسي غرفة نومي، وابدأ بتلوين شفتي، ووضع الرموش الاصطناعية فوق عيني، كنت لعينة وعاطفية وأريد أن اعرف كل شيئ، في العاشرة دأبت على الذهاب لزيارة صديقتي، أحمل معي دفتري الأزرق، وأخبر أمي أني ذاهبة لأداء الواجب المدرسي مع صديقتي زينة، كانت زينة قد أكتشفت عالم المكياج قبلي، هناك كنت مولعة بكتابة كل شئ أراه، حتى نظرات أخيها الذي طالما أعجبني، ويظل ينتظرني حتى أخرج، فيمرر لي كلاماً يلهيني عن قصصي، أحاول أن اكتبه في دفتري القديم الأزرق، هناك تتعلم كيف تكتشف أشياءٍ لا يمكنها أن تكون لك إلا بعد حين، حتى أبن الجيران اللعين. ولكني هذه المرة وأنا أمام هذه الفنانة العجوز، أريد أن أقول لها، كم أتمنى أن أقف عند عمري هذا، وأن احصل على كل ما أريده، دون الحاجة لأن يتلون شعري، أو يصاب وجهي البرونزي بتجاعيد الزمن. قبل أن نخرج لم تكن قد أخبرتنا عن نفسها كثيراً، لكن داليا نظرت إلى الأرض فجأة ورفعت رأسها لتقول لها، هل تعرفين لم أجد صوتاً رائعاً مثل صوتك؟ قالت لها، وهي تحاول أن تتأكد إذا كان يحق لها أن تبتسم أم لا؟
































05 اكتوبر, 2006 02:59 ص